حسين السنونة يطرح الأسئلة بصيغة 'ثرثرة خلف المحراب'

القاص السعودي يلتقط في مجموعته القصصية قضايا وهواجس كثيرة من حياتنا اليومية ويحولها إلى أسئلة بلغة سلسلة لا تذهب إلى التعقيد والمواربة والتفخيخ.


قصص تعرّي بعض المظاهر والمواضعات الاجتماعية


سرد مريح في تقطيعاته وفواصله


المرأة المهمشة حاضرة في قصص السنونة

يلتقط القاص السعودي حسين السنونة في مجموعته القصصية "ثرثرة خلف المحراب" التي تتضمن عشرين قصة، قضايا وهواجس كثيرة من حياتنا اليومية ويحولها إلى أسئلة وتفاصيل متدفقة بلغة سلسلة لا تذهب إلى التعقيد والمواربة والتفخيخ، وسرد يريح القارئ في تقطيعاته وفواصله.
 يعمد السنونة إلى تعرية بعض المظاهر الاجتماعية والحكم على الناس من خلالها، ففي قصة "ثرثرة خلف المحراب" نراه يغوص بكل صدق في كشف ظاهرة باتت للأسف بمثابة صك غفران إيماني بين مصلٍّ في المسجد وغير مصلٍّ، هل دخل أحدهم لقلب المصلي ووجد ضالته؟ أو وجد ما دفعه لمنحه هذا الصك؟
وفي "غباء خاص جدا" أيضا، الحكم الظاهري يتجلى في قضية إطالة اللحية أو حلقها.. تحتار بماذا تجيب على من حكم عليك وفق رؤيته الضيقة وربطه لها بهيئة يجب أن يكون عليها.
ونفس النقد يتناوله الكاتب في "ملح بطعم العسل" حيث الحكم على الآخر فقط من منظره أو عمله حكم جائر بكل تأكيد حين تكون بعض الكتب الحياتية المهملة هي الكتب الحقيقية التي علينا أن نقرأها بعين القلب والعقل.
يعرج حسين السنونة أيضا على الواقع الاجتماعي في قصة "مثلث من ورق" حيث الأدب والثقافة ملازمان للفقر والعوز والحاجة في بلادنا العربية، وعلى الشاب الذي لا يملك مالاً للزواج أن يكتم رغبته.

أن تكون عربياً في زمن الضعف العربي فذلك وجع لا يحتمله البعض

وعن الزواج والنساء تأتي قصة "أنا وأمي والمحرمات" فتطرح السؤال للشخصية: ما هي علاقتك بالنساء؟ سؤال مباغت من أم شاب عربي عاش في بلاد أجنبية... سؤال يفتح أبواب الذاكرة للشاب العشريني ليجيب في عقله عن علاقته بالنساء وكيف تعامل معهن.
وفي قصة "أجساد ثملة" نرى بطلة القاص: المرأة الحاضر الغائب، الحاضر المعذب بالتهميش وإغفال كينونتها ومطالبها وحتى حياتها مقابل وجود الرجل، أو حتى الطفل الذكر، المرأة الأرملة... المطلقة، أو التي فاتها قطار الزواج: هل سيُكتب عليها أن تبقى محرومة من حقوقها الشرعية؟
 بطلة القصة لم تُسمَّ، لم يطلق عليها الكاتب اسماً بل تركها هكذا لتكون هي النساء اللواتي ينتظرن المطر ليعشن لحظات جنون حرمن منها طويلاً، ليفرغن طاقة عجزت أجسادهن الهشة عن حملها.
ويجرف الحنين بطلة قصة "أنين الذكريات" لتذكر صور شتى لحوادث متناقضة في لحظة واحدة، وربما هو عقل الكاتب الذي يستطيع أن يطوع قلمه ليصف المتناقضات بسلاسة رغم الأنين، نوستالجيا تدفع الشخصية إلى كشف المتناقضات في النفس البشرية.

ثرثرة خلف المحراب
الهاجس العربي حاضر في القصص

أن تكون عربياً في زمن الضعف العربي فذلك وجع لا يحتمله البعض، فما بالك بأن تكون عربياً وتعشقك امرأة من الصين وجدت فيك روائح التاريخ وعبق الماضي الذي وصلهم عبر الكتب صافياً عذباً، وأوصلتنا عذوبته للعيش في مستنقعه، لا نحن نملك تذكرة للخروج ولا نستطيع أن ندفن أنفسنا في تاريخنا.. هذ ما تبوح به قصة "رسالة من الصين".
قصة "وهج الخيال" تقدم صورة عن الموظف الحكومي المتذمر والمهمل الذي يترك العمل ويؤخر معاملات البشر إلى أن يشعر المراجع بأنه يستجدي منه صدقة وفضلا، هكذا باتت الصورة إلا من يطبق مبدأ أن العمل عبادة.
الهاجس العربي وحالة الذل التي تعيشها الشعوب العربية تبدو واضحة في"قطط حشرات نمل" من خلال تشبيه البشر بهذه الحشرات، فهم مجرد كائنات أكولة لا فرق بينها وبين بقية الكائنات الأخرى.
وتبدو ايضا في "ترانيم مواطن متسكع" إذ إن رفض الإنسان الواعي المشي مع القطيع لا يحتمل عندنا غير معنى واحد حقيقي وليس مجازاً هو أن يُعامل كمجنون وأن يُرفض ممن هم حوله.. الخروج عن القطيع هو خروج من الحياة بصورة أو بأخرى.
وفي "عام جديد" تتكرر متوالية السوداوية العربية مثل كثير من القصص، ما الذي تغير منذ أجيال؟ لا شيء... نحن ما زلنا نختلف على أمور سخيفة، نقبل بأن تتسيد الأصنام علينا ونترك لهم الكراسي والمال والوطن، ونقف في أضيق زوايا النفس لنردد: لا بد لنا من حراك نقلب فيه الطاولة على كل هذه المنظومات البالية، وبعد أن ننهي الجملة، نقفل الموضوع ونعود لسابق عهدنا مثل ثور الساقية.
ويتوالى نقد الكاتب لمواضعات اجتماعية في "شيخ قريتي" حيث التهكم واضح من كثرة فتاوى الشيوخ وتدخلهم في كل كبيرة وصغيرة بفتوى، حتى وإن كانت لا تتطلب فتوى ولا تخص الأمور الدينية من قريب أو بعيد.

يفرد الكاتب مساحة في قصصه للمسائل الوجودية فالموت وخيارات البشر تظهر في إحدى القصص 

في "الدقيقة الخامسة بعد منتصف الليل" يموت الرئيس، ولا شيء تغير لا في حياة الرئيس ولا في موته، الأوضاع على حالها والتردي سيد الموقف... كل رئيس والوطن بخير... نهاية موفقة للقصة التي مات فيها الرئيس ولم تمت سياسته.
يتعرض السنونة في "أصباغ ثملة" لسقوط المواطن العربي وخاصة الخليجي في اختبار بسيط جداً عند السفر للخارج يتجلى في سقوط منظومة أخلاقية زائفة تربى عليها، ولا يطبقها إلا في بلده.
ويفرد الكاتب أيضا مساحة في قصصه للمسائل الوجودية، فالموت وخيارات البشر تظهر في "اسئلة.. بيضاء مجنونة" حيث يعيش البطل الموت بكل أسئلته الشائكة في لحظات قصيرة، لا يترك تجواله العقلي بين مشاهد واستفهامات إلا وهو يتجه لسريره الأبيض وقد تحول لجثة تسير لا ينقصها إلا الكفن!
القضايا القومية لها نصيب في قصص الكاتب السعودي حيث "ها أنت وحدك" يموت البطل صاحب المبادئ وحيدا دون أن يشهد حلا لقضية العرب الأولى "فلسطين" التي كان يحلم بأنه سيعيش إلى أن يرى الأفواج تتجه لها وهم يصيحون... يا قدس نحن قادمون.
ويتجلى حس الكاتب الشاعري في قصة "فنجان أسود ورقصة عجوز "فالموسيقى لا تقترن بعمر محدد، فلكل جيل موسيقاه التي ترتبط به ولكل منهم فكرته عن الأخر.
السجين السياسي محور قصة "ثرثرة سجين" سجين الفكر والرأي الذي لم يستمع للنصائح التي وجهت إليه من أبيه وأمه وخطيبته وصديقه أيضاً، مضى في طريقه حتى وجد نفسه في زنزانة لا شريك له فيها إلا النمل والجدار الأملس وقطعة قماش تفترش الأرضية.