رجال يستضيىء بهم الوطن في الفترة الظلماء

محسن عبدالعزيز يعرف التاريخ بأنه سير العظماء، ويستدعي سبعة عشر بدرا ليستضيىء بهم في الفترة الظلماء، وينحاز للفكر والإبداع.


محسن عبدالعزيز يتلمس أسطورة إدريس من خلال قصصه، مؤكدا أن شخصياتها تحاصره في كل مكان


الكاتب لم يخطط لكتابه مسبقا بل اختار فصوله من بين مقالات سبق أن كتبها في مناسبات مختلفة

"سيذكرني قومي إذا جدّ جدهمُ ** وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدرُ"، تذكرت هذا البيت من قصيدة للشاعر العربي أبي فراس الحمداني، وأنا أطالع كتاب "وجوه حول الوطن" للكاتب المصري محسن عبدالعزيز (دار بتانة القاهرة 2018 ) إذ استدعته مقدمة الكتاب التي يقول الكاتب فيها "كانت لحظة الخطر التي تعرضت لها مصر خلال فترة حكم الأخوان الكئيبة وما تلاها، الدافع وراء الكتابة والبحث عن هذه الشخصيات العظيمة، بهدف واحد، ووحيد، هو الإيمان بأن الوطن الذي أنجب أمثال هؤلاء العظماء لا يمكن أن يسقط أبدا. ولأن مصر وطن لا يخلو أبداً من عظماء الرجال، حتى فى أشد لحظاته ضعفاً، فإنه يمرض ولا يموت كما يقولون، وسريعاً ما يهب واقفاً على قدميه عفياً، كنيله ونخيله، مُرسلاً إشعاعه ورسالته فى العدل والتوق إلى الحرية للعالم. كنت ألوذ بما قدم هؤلاء العظماء من أعمال جليلة في ظروف حالكة، مستلهما القوة والأمل للحاضر والمستقبل اللذين أراهما علي حافة الخطر بالحكم الجهول".
الكاتب الذي يعرف التاريخ بأنه سير العظماء، يستدعي سبعة عشر بدرا ليستضيىء بهم في الفترة الظلماء، وينحاز للفكر والإبداع فيخصص للزعماء والقادة جزءا واحدا من أربعة أجزاء يتكون منها كتابه، بينما الجزء الثاني تحدث فيه عن أربعة مفكرين والثالث عن سبعة مبدعين خمسة منهم شعراء، والأخير خصّ به ثلاثة من كبار الصحفيين، ويبدو أن الكاتب لم يخطط لكتابه مسبقا بل اختار فصوله من بين مقالات سبق أن كتبها في مناسبات مختلفة، ولولا ذلك لما قصر قائمته على الرجال فقط، ولما خلت من أسماء طه حسين ونجيب محفوظ وجمال حمدان.
ساسة وعسكر
يبدأ الكتاب، بصورة قلمية للرئيس محمد نجيب الذي يراه "المستبد الطيب"، بادئا بلحظة توجه نجيب لزيارة النحاس باشا بعد قيام الملك فؤاد بحل البرلمان ذي الأغلبية الوفدية عام 1929 ليطالبه باقتحام البرلمان ووعده بتأييد الجيش له لكن النحاس رفض قائلا: "أنا أفضل أن يكون الجيش بعيدا عن السياسة وأن تكون الأمة هي المصدر الوحيد للسلطات"، لكن نجيب لم يستوعب الدرس فانضم بعد سنوات للضباط الأحرار الذين قاموا بالثورة وأطاحوا بالملك فاروق، ويرى الكاتب أن الصراع بين نجيب وعبدالناصر لم يكن من أجل الديمقراطية وانما كان صراعا علي السلطة وقتها. فنجيب كانت لديه الفرصة أن يقود البلاد إلي الديمقراطية وإجراء انتخابات حرة لكنه مثل الآخرين استسلم لإغراء السلطة. كذلك يبدأ مقالته عن شخصية جمال عبدالناصر من موقف يراه دالا على شخصيته،  وحدث أن دخل أحد مفتشى اللغة العربية الفصل، وسأل التلاميذ سؤالا فلم يجيبوا وكان الوحيد الذي تمكن من الإجابة هو التلميذ جمال عبدالناصر، وبعد انصراف المفتش طلب المعلم من جمال أن يضرب زملاءه بمعدل عصاتين لكل تلميذ لكنه رفض فعاقبه المعلم بأن ضربه ستين عصاة على يديه، وهكذا تشكلت الأسطورة الشخصية لجمال، فطوال رحلته سوف يعرف الإجابة الصحيحة وبسببها يتعرض للضرب دائما، ولكنه يصبح بعد كل ضربة أقوى مما كان. وهو ما جعل لأسطورته معنى لا يغيب مهما غاب صاحبها فمشكلة عبد الناصر الحقيقية مع خصومه أنهم كلما ظنوا موته يبعث من جديد أشد وأقوي.
أسطورة إدريس  

men
محسن عبدالعزيز

هل كان يوسف إدريس إنسانا من لحم ودم، عاش بيننا؟ وهل كتب عليه ما كتب على الناس من حياة ومرض وموت؟ إذا كانت الإجابة: نعم. فمن إذن هذا الأسطوري الذي تروي الحكايات عن عبقريته وجنونه وعظمته وشجاعته أيهما الإنسان؟ وأيهما الأسطورة؟ أيهما الكاتب المقاتل؟ وأيهما الأب والزوج؟ أيهما المبدع النزق؟ وأيهما كان يوسف إدريس الذي يمشي على الأرض؟
يتلمس محسن عبدالعزيز أسطورة إدريس من خلال قصصه، مؤكدا أن شخصياتها تحاصره في كل مكان، في المستشفى، والمدرسة، والمسجد، والمصلحة الحكومية، والقطار والأتوبيس، وحتى في السجن. فكيف يقولون إنك مت؟ ونحن لا نستطيع الهروب منك ومن شخصياتك تلك التي لا تموت أبدا. ولا يهتم بسرد معلومات اعتيادية عن حياة الرجل، "تري ما أهمية أن نعرف إن كان يوسف إدريس غنيا أم فقيرا؟ ملاكا أم شيطانا؟ حقيقة أم خيالا؟ كل هذه أشياء لا أهمية لها والمهم إبداعه العبقري الذي يقدر على أن يستدر ضحكك أو بكاءك وأنت تجلس بمفردك مأخوذا بشخصيات هذا العبقري المبدع حد الجنون". 
بنفس الحب والتقدير يتناول شخصيات يحيى حقي وكامل الشناوي وصلاح جاهين ونزار قباني، وأيضا الفريق سعد الدين الشاذلي، والمشير الجمسي، والإمام محمد عبده، ولويس عوض وفؤاد زكريا ومحمد حسنين هيكل، وأحمد بهاء الدين، فالحب كان دافعه لاختيار الشخصية التي اختارها ليكتب عنها، وكان أيضا مداد القلم الذي كتب به.
أما حكايته عن أمل دنقل فتبدأ من لحظة ذروة قبيل وفاته، صعد الشاعر خشبة المسرح بصعوبة شديدة بسبب المرض اللعين، لم يكن دنقل يود الذهاب لهذه الأمسية خوفا من نظرة الشفقة في العيون‏،‏ بعد أن سقط شعر رأسه‏ وأصبح يمشي بصعوبة بمساعدة عكاز‏, هكذا جاءت "لا تصالح" كوصية أخيرة تلقاها الحضور بالتصفيق، فترك أمل عكازه ووقف علي قدميه كقصيدته العفية، هنا يخاطب الكاتب دنقل بقوله "بعد كل هذه السنوات من الرحيل الجسدي أود أن أزف إليك في الأبدية بأن الشعب المصري يسير على الوصية, لم يصالح رغم المعاهدات والسفارات والابتسامات المزيفة. فهل هو سحر القصيدة, أم روح الشعب التي لمستها في إبداعك العبقري".
صورة سلبية
لم يخصص الكاتب فصلا في كتابه للرئيس الأسبق السادات، لكن شخصيته حضرت كثيرا، ليس فقط في الفصل الخاص بعبدالناصر وذكر محاولاته تشويه صورة ناصر، ففي فصله عن محمد نجيب أشار إلى أن السادات استأذن للدخول على الرئيس نجيب وقام بتحيته تحية عسكرية فيها مبالغة في إظهار الولاء، ولكن بعد أن أصبح السادات رئيسا وأفرج عن نجيب التقيا مصادفة في جنازة اللواء أحمد بدوي، وتقدم نجيب ليصافح السادات فتأفف منه بصورة واضحة. كما كان السادات من الشخصيات التي حيرت يوسف إدريس كثيرا بعد أن استبعده من وظيفته عام 1973 ومعه مائة آخرون من الكتاب ثم قربه ثم أبعده مرة أخري، فكتب عنه سلسلة مقالات "البحث عن السادات" عرضته لهجمة شرسة من أنصار السادات، وكانت سياسات السادات قد أصابت معظم المبدعين بالاكتئاب كصلاح جاهين وصلاح عبدالصبور واضطرت البعض للهجرة كعبدالمعطي حجازي وأحمد بهاء الدين، وأدت إلى توقف آخرين عن الإبداع منهم يوسف إدريس الذي توقف عن كتابة القصة واتجه إلي المقال. أما هيكل فقد تعرض للاعتقال ولم يخرج إلا بعد مقتل السادات فانتقم هيكل لنفسه بكتابه "خريف الغضب". (وكالة الصجافة العربية)