رحيل دينوس كريستيانوپولس الأكثر تأثيرا بعد كافافيس

سليم العبدلي: موت الشاعر دينوس كريستيانوپولس سيترك فجوة كبيرة في الأدب اليوناني من الصعب ملأها.


دينوس كريستيانوپولس كتب في معظم مجالات الأدب، مثل الشعر والقصة والرواية والمقالات والمسرح والأغنية والنقد الأدبي


الكاتب اليوناني الراحل عاصر أكثر من عصر

توفي الشاعر اليوناني دينوس كريستيانوپولس في الحادي عشر من أغسطس/آب الجاري، عن عمر يناهز التسعين عاماً، فقد ولد الشاعر عام 1931، في مدينة ثيسالونيكي، ثاني أكبر مدن اليونان، وظهر على الساحة الشعرية الإغريقية ولم يكن قد تجاوز آنذاك الثامنة عشر من عمره، بقصيدة "بيوغرافيا" أو "سيرة ذاتية"، ثم أعقبها بمجموعته الشعرية "موسم الأبقار العجاف"، الذي وضعته على قائمة الأدباء الإغريق، ولقب بخليفة كافافيس وكان فخوراً بذلك، ولكنه قال مرة: "كان كافافيس مؤدباً ولم يجهر بآرائه". 
أسس دينوس مجلة "دياگنوسيس" في نهاية خمسينيات القرن الماضي، وهي المجلة التي تجمع حولها العديد من كتاب الحداثة اليونانيين، وعنوان المجلة يعني "التشخيص" بمفهوم الاسم العام لها، ذلك الذي يمارسه الطبيب أو المختص، وقد استمرت بالصدور حتى بداية ثمانينات القرن الماضي، وأصبحت لاحقاً داراً للنشر بنفس الاسم. وفي اليونان تعتبر هذه المجلة البيت الزجاجي الذي احتضن شعراء وكتاب الحداثة على مدى خمسة وعشرين عاماً، وقد عرفوا هؤلاء الكتاب فيما بعد "بالدياكنوسيين".
من جَحيمِك
أصنعُ فردوسي
كتب وأصدر دينوس كريستيانوپولس في معظم مجالات الأدب، مثل الشعر والقصة والرواية والمقالات والمسرح والأغنية والنقد الأدبي، وكذلك ترجم العديد من الأعمال الأجنبية منذ دخوله الساحة الأدبية في نهاية أربعينيات القرن الماضي وحتى رحيله. ومشواره الأدبي هذا أهّلهُ الحصول على العديد من الجوائز المادية والتكريمية، آخرها أعلى جائزة تكريمية تمنح للكتاب في اليونان "الجائزة الكبرى للأدب اليوناني" إلا أنه رفضها جميعاً، مشيراً إلى أن الجوائز التكريمية لا قيمة لها سوى الانتقاص من الكرامة الإنسانية. ويذكر عنه قوله المشهور "ليس هناك طموح أكثر ابتذالاً من الرغبة في التميّز بالتكريم". كذلك عرف بحبه للفن التشكيلي مما جعله يدير جاليري للفن التشكيلي. 
يقول الشاعر الدنماركي العراقي الأصل سليم العبدلي: "دينوس كان متمرداً على المدرسة التقليدية وتجاوز العديد من التابوهات التي كانت تحكم الأدب اليوناني، مما صدم المحيط المحافظ في الأدب اليوناني، وقد وقف بشدة ضد ما يسمى بالأدب المؤسساتي بغض النظر عن انتماءاتها الأيديولوجية، بل كان ضد جميع الأيديولوجيات: 
في شارع “تسيميكز" تتقدم المظاهرة
ترفيه يُسعِد المشاركين
ولا أحد سوى كلب الشارع المهجن
غير معني بالبهجة، لأنه وجد كيساً
فيه عظمة وشرع في تمزيقه بسعادة 
فهو لا ينتظر شيئاً من الأيديولوجيات.  
ويضيف "انتقد الكثيرون دينوس لحدة كلماته ولغته المباشرة، ولم يعترض، بل وصف نفسه "بالعصبي"، ولكن رغم تمرده، إلا أنه كان يظهر بهيئة ولباس الرجل المحافظ من أوائل القرن الماضي، ربما لأنه لم يجد الحرية و"الذوق" الملائم في موضة العصر، علماً أنه قد عاصر أكثر من عصر، فمن عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية، أو خمسينيات الرفاهية والازدهار وستينيات الدكتاتورية، ثم الثورة الطلابية والهيبز…الخ.
ويؤكد العبدلي أن موت الشاعر دينوس كريستيانوپولس سيترك فجوة كبيرة في الأدب اليوناني من الصعب ملأها، كما ذكره الكاتب تسيليوپولس في تعزيته على صفحة التلفزيون اليوناني قبل بضعة أيام.
يذكر أن الحملة الزاباتية للدفاع عن حقوق السكان الأصليين في المكسيك قد تبنت عنوان قصيدته "كل شيء فعلوه ليدفنوننا وكانوا يجهلون أننا بذور" شعاراً لها في تسعينيات القرن الماضي:
كل شئ فعلوه ليدفنوننا 
وكانوا يَجهلون 
أننا بُذور
تَنبُتُ 
عندما تَدفأ التربةُ في قبلةِ المَطرِ
والمطرُ قادمٌ
سيأتي لَهم
سيأتي لَنا
ويجلب معه القوس قزح.