رسائل لوكاتش تكشف عن وجوه أخرى خلف المفكر والسياسي

رسالة لوكاتش إلى أرنست باول توضح أمرين، أولهما التفاعل مع أغلب فلاسفة ومفكري وأدباء عصره، والثاني هو أنه كان دائم المراجعة لأفكاره وكتبه ومواقفه.


لوكاتش أنضم إلى إلى الحزب الشيوعي المجري في عام 1918، لكنّ دارسيه يرجعون ميوله تلك إلى عام 1911


أفكار لوكاتش ونظرياته عن الأدب والفن، أدت التطورات الفكرية التي شهدتها أوروبا

كتب جورج لوكاتش في رسالة ضمها الكتاب الصادر مؤخرا عن دار المدى العراقية، وترجم فيه نافع معلا ثلاثمائة وخمسين رسالة أرسلها لوكاتش أو أرسلت إليه، وفي إحداها كتب: "وأما أن كتابي حول الدراما قد نال إعجابك، فهذا ما يزيد من سعادتي. وستزداد سعادتي أكثر، حين أتمكن من معرفة ملاحظاتك، أثناء لقائنا في الخريف. إذا ما انكببت على مراجعته، فسوف أتمكن من إنجازه خلال أربعة، أو خمسة أشهر. وسيؤول أمره إلى الإصدار بعد كتاب المقالات. يبدو أن الإصدار مسألة أكثر صعوبة بكثير من الكتابة".
هكذا كتب جورج لوكاتش إلى صديقه الكاتب المسرحي الألماني أرنست باول في 1911، عقب صدور كتابه "تاريخ تطور الدراما الحديثة"، الذي صدر في مجلدين زادت صفحاتهما عن الألف صفحة، ويبين من هذه الرسالة أمرين، أولهما التفاعل مع  أغلب فلاسفة ومفكري وأدباء عصره، والثاني هو أنه كان دائم المراجعة لأفكاره وكتبه ومواقفه، وهي السمة التي لازمته طوال حياته، حتى وصفه معاصروه بأنه الباحث الذي لا يكل، وقد قادته تلك المراجعات إلى القيام بانقلابات فكرية بدت غير مفهومة للبعض، فظل طوال حياته مثيرا للجدل.
المثير للجدل
ولعل أول وأكثر جدل أثاره ارتبط باعتناقه للماركسية مذهبا وفلسفة، فلم يكن أحد يتوقع أن ابن الأسرة البرجوازية اليهودية شديدة الثراء، وقد كان والده مديرا لبنك مؤسسة التسليف، وكان واحدا من أهم البنوك المجرية في ذلك الوقت (أبريل/نيسان 1985) يمكن أن ينضم للبلاشفة، بل ويصير واحدا من أهم منظري فلسفتهم خاصة فيما عرف بالماركسية الغربية، تمييزا لها عن الماركسية السوفييتية.
وقد انضم  لوكاتش إلى إلى الحزب الشيوعي المجري في عام 1918، لكنّ دارسيه يرجعون ميوله تلك إلى عام 1911، بعد أن أصدر أول أعماله "الروح والأشكال"، الذي ظهرت فيه نظرته الفلسفية والجمالية من خلال دراسات تناول فيها مجموعة من الأدباء والشعراء، والفنانين، ثم انتقل إلى ألمانيا حيث عاش في مدينة هايدلبرج بين عامي 1912- 1917، وهناك فتحت عاطفة عنيفة عينيه إلى الحاجة إلى مزيد من الالتزام الذاتي الكامل. وقد تحول من المثالية إلى الاغتراب، وأرجع دارسوه اغترابه إلى توتر علاقته بأمه منذ طفولته، كما أن الحرب العالمية الأولى ضاعفت من رفضه للرأسمالية، مما أدخله منعطفا فكريا سهل انتقاله إلى الماركسية التي التزم بها حتى رحيله في مدينة بودابست في الرابع من يونيو/حزيران 1971.
وقد طالت المراجعات كذلك أفكار لوكاتش ونظرياته عن الأدب والفن، فقد أدت التطورات الفكرية التي شهدتها أوروبا وتأثر هو بها شخصيا إلى انتقاله من النزعة الجمالية السائدة في أوروبا في العقد الثاني من القرن العشرين إلى تبني الفلسفة المثالية، كقطب معاكس لمذهب العقلانية العلمية، وكانت دراسته للدكتوراة التي حصل عليها في عام 1906، قد تأسست وفق منهج الكانتية الجديدة، الذي أبعد البحث العلمي المنتظم عن الحقائق التجريبية للعلوم والآداب.
ثم نشر كتابه المهم "نظرية الرواية"، إلا أن لوكاتش وبعد اطلاعه على عدد أكبر من الروايات الصادرة بعد تأليف كتابه دفعته لإعادة النظر في كتابه، في عام 1934، فكتب دراسة بعنوان "تقرير حول الرواية" أثارت جدلا كبيرا. وفي العام التالي عاد إلى كتابه، مطورا عناصره وأعاد إصداره تحت عنوان مختلف هو "الرواية كملحمة بورجوازية"، أسهم مع كتابه الفكري "التاريخ والوعي الطبقي" في توجيه عالم الاجتماع لوسيان جولدمان نحو ما سمي بعلم اجتماع الرواية .

أنا ممتن لك شديد الامتنان، على كل ما وهبتني إياه. وأتمنى أن تكون حياتك نشيطة وسعيدة وجميلة كما تستحقينها، وكما تمنيتها لك، ومنحتني في بعض اللحظات إياها

في عام 1917 غادر لوكاتش ألمانيا عائدا إلى المجر، وقبل مغادرته برلين أودع في خزانة "دويتشه بنك" حقيبة ضخمة، ولم يسع أبدًا لاستعادتها فظلت مجهولة، ولولا أن صدر بعد رحيل لوكاتش كتاب عن حياته، أعده فريتز رداتز، وتناولته الصحافة الألمانية، وتابع أحد موظفي البنك ذلك الحديث الدائر عن الكتاب، وكان يعلم بأمر ملكية المفكر الراحل للحقيبة، فاعتقد أنها تحوي وثائق مهمة، لذلك أعلن عنها ليكتشف العالم، بعد رحيل صاحب "تحطيم العقل"، ألفا وخمسمائة رسالة مرسلة إليه وخمسمائة رسالة كتبها هو لكنها كانت بحوزته، فربما لم يرسلها أو عادت إليه بشكل أو بآخر.
وفيما بعد تم نشر مختارات من الرسائل باللغة الألمانية، وترجمت إلى العديد من لغات العالم ومنها العربية، وتقتصر معظم الرسائل المنشورة على تلك المكتوبة بين عامي 1902 و1917، وأغلب من أبرز المرسل إليهم في هذا الكتاب صديقه الفنان التشكيلي ليو بوبر، ورسائل متبادلة مع المسرحي الألماني باول إرنست، وكذلك رسائل وصلت إليه من مارسيل بندك، ولاسلو بانوتسي، فضلا عن  رسائل عديدة من حبيبته الأولى إرما سايدلر.
والرسائل تركز في مجملها على أمور شخصية أو فنية لذلك فهي تعتبر مصدرا مهما للمؤرخين ولكتاب السير الأدبية، كما تكشف الرسائل عن مواقف لوكاتش من قضايا الحرب والسياسة وتطوره الفكري المبكر، ولكنها لا تسهم في الكشف عن أسباب تحوله إلى الماركسية.
وبحسب ما ذكر نافع معلا في المقدمة فإن الرسائل المترجمة تساعد على الوقوف على الخصوصيات التاريخية والثقافية والاتجاهات الفلسفية والنقدية والأدبية السائدة  في الفترة ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، كما أنها تدفعنا للتساؤل عما إذا كان لوكاتش مفكرا مجرياً حقاً أم أنه  مثقف ألماني بالنظر إلى مرجعياته وقراءاته، كما تظهر في المراسلات، وكما يظهر أيضا في مجمل أعماله ومؤلفاته.
لوكاتش عاشقا
بالرغم من مضي قرابة النصف قرن على رحيل جورج لوكاتش إلا أنه لم يزل حاضرا بأعماله ومواقفه التي أثارت جدلا كبيرا، لكن حضور المفكر والسياسي والناقد أخفى حضور الإنسان، ولعل الميزة الأهم لمراسلات لوكاتش تتمثل في كشفه عن ذلك الوجه المحتجب، فالرسائل تضم عددا كبيرا مما كتبته له الشاعرة إرما سايدلر أو مما أرسله هو لها، وتعود أغلب مراسلاتهما إلى عامي 1907، و1908، في إحداها وفي منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 1908، وكانت علاقتهما تشهد أفولها، كتب لوكاتش "ليس بوسع أحد أن يحصي عدد الرسائل التي جهزتها لوداعك الأخير (أنت لم تشائي وداعي. أستميحك عذراً، ورغم ذلك أنا أرغب في وداع، وإن كان بلا صدى). لا تغضبي، فأنا لا أدري إن كنت أعني لك شيئاً، رغم أنك كنت المعنى الوحيد لحياتي". وهي من أطول الرسائل في الكتاب واختتمها قائلا "وأنا ممتن لك شديد الامتنان، على كل ما وهبتني إياه. وأتمنى أن تكون حياتك نشيطة وسعيدة وجميلة كما تستحقينها، وكما تمنيتها لك، ومنحتني في بعض اللحظات إياها".
لكن ذلك العاشق وكما تكشف بعض رسائله كان مقتنعاً بأن الحرب هي "السلام القائم على الوضع الراهن"، وكتب مقالة حول المفكرين الألمان والحرب لم ينشرها، لكي لا تعتبر مساومة سياسية، وتفرغ طوال تلك السنوات للكتابة في الأدب والفن. (وكالة الصحافة العربية)