سقراط .. شهيد الفلسفة والرأي الحر

فكر سقراط أسهم في صنع حضارة إنسانية رفيعة المستوى، حضارة تهتم بالجوهر لا بالشكل، بالمحتوى لا بالقشريات الظاهرة.


ما بين منهح سقراط فـي المعرفة، ورأيه فـي الفضيلة، يكمن جوهر الإشكالات المثارة حوله


طبيعة شخصية سقراط هي التي فرضت منهجه وسيرته وفلسفته

تبنى حضارات الأمم والشعوب على قدر عطاءات أبنائها عقليا وفلسفيا، في المقام الأول ثم علميا وعمليا في المقام الثاني، وعلى رأس هــؤلاء يأتي سقراط الذي يؤكد أستاذ الفلسلفة بجامعة القاهرة د. محمد ممدوح في كتابه "سقراط شهيد الكلمة" الصادر ضمن سلسلة أعلام الفلسفة في الشرق والغرب، عن مكتبة الدار العربية للكتاب، أنه ساهم فكره في صنع حضارة إنسانية رفيعة المستوى، حضارة تهتم بالجوهر لا بالشكل، بالمحتوى لا بالقشريات الظاهرة، حضارة تبني الإنسان بحق، تبني روحه ونفسه وداخله، تقيمه على أسس راسخة من المعرفة والعلم واليقين، تهدم مـا بداخله من أصنام الجهل وعبادة السلف. 
قاد سقراط تلك المسيرة بعكس الرياح، فقابل هجوما عنيفا من السادة والنبلاء الذين قادوه في النهاية إلى المحاكمة، ولم يكتفوا بذلك فقط، وإنما ظلوا يتابعون تلك القضية حتى استصدروا ضده حكما بالإعدام.
ويشير محمد ممدوح إلى أن فلسفة سقراط مثلت ثورة تصحيحيه شاملة في قلـب عاصمة الفكر آثينا، جاءت فلسفته منقبة عن الفضيلة في مضمونها وإطارها الصحيح، باحثة عن القيم الحقيقية في جوهرها ومنبعها الأصيل، متابعا ذلك بطريقة قد تبدو غريبة إلى حد كبير، إنه يسأل عن قيمة معينة، ثم يتلقى الإجابات حولها ليفرغ الذهن مما علق به مـن معلومات غير صحيحة حول تلك القيمة، ثـم يفند تلك الإجابات كافـة ليثبت خطأها من ناحيـة، وليولد الحقيقة الكامنة خلف القيمة في نفوس المستمعين من ناحية أخرى، وهذه الطريقة هي التي عرفت بالتهكم والتوليد، اتبعها سقراط وصولًا إلى الحقائق وجواهر الأمور في ثورية منقطعة النظير.
المبادئ قتلته

هناك فروق جوهرية عديدة بين منهج سقراط ومنهج السوفسطائيين، فالقـول بأنهما يشتـركان في منهج "الجدل" ليس له أساس من الصحة، إذ كان منهج سقراط يقوم على التهكم والتوليد وهو غير منهج الجدل الذي أسـرف في استعماله السوفسطائيون

ويضيف أن ما بين منهح سقراط فـي المعرفة، ورأيه فـي الفضيلة، يكمن جوهر الإشكالات المثارة حوله، فما أقتيد إلى المحاكمة إلا بسبب آرائه تلك، فكان شهيدًا للكلمة بحق، شهيدًا للرأي الحـر، وإن كانت أثينا ذاتها قد اشتهرت بالحرية والديمقراطية، إلا أنها قد ضاقت بسقراط ذرعًا، فأغلقت في وجهه باب الحرية وقدمته إلى المحاكمة باسم الديمقراطية، لتقدم شهيدًا للرأي شهيدًا للكلمة، من أوائل الشهداء في التاريخ. 
لقد حوكم سقراط بسبب آرائه ونفذ فيـه الحكم بالإعدام بسبب طاعته للقانون، فقد كان يمكنه الفرار بعد المحاكمة من حكم ظالم ومسيس، ولكنه لم يفعل.. إنه أبى إن عصى القانون رغـم افترائه عليه.. أبى إلا طاعة القانون وسـط قوم يعصون اللـه ويعصون الضمير.. ويضربون بالقيم كافة عرض الحائط، لتتجلى لنا الصورة الحقيقية لسقراط.. ذالكم الرجل الذي عاش لمبدأ ومات عليه. مارس مبادئه في حياته العملية بمثل ما تحدث بها نظريا.. ليمكننا القول إن رجولة سقراط ومبادئه هما اللذان قتلاه قبل أن تحكم عليه المحكمـة بالموت، وذاك هـو ما صنع لسقراط الخلود أبد الدهر.
ويوضح د. ممدوح أن الأعجب من ذلك أن سقراط لم يكتب عن فلسفته شيئًا، لم يترك لنا كلمة واحدة بأسلوبه، ولكنه كتب في القلوب بماء الخلود، لم يترك سقراط  نصوصًا كثيرة، بل إن إجمالي ما قاله لا يتعدى الكتاب الواحد، ولكن حول هذا الكتاب الواحد تعددت الكتب، فمن مفسر، ومن شارح ومن مؤول كل يحاول أن يقدم سقراط من زاويته، كل يحاول فهم سقراط، لكن يبقى سقراط  في النهاية الشهيد الأعظم للكلمة في تاريخ الإنسانية، هو الرجل الذي قتلته طاعة القانون الرجل الذي عاش لمبدأ، فقتله ذالكم هو سقراط .
صوت الوحي
ويرى أن ثمة أدلة كثيرة على سمو فكر سقراط  وارتباطه في أذهان قراء فكره بنوع من القداسة التي لم يعطها البشر إلا للأنبياء، وأهم هذه الأدلة ما ادعاه سقراط من وحي يخاطبه ورسالة يؤديها وغير ذلك من ادعاءات كان دائم التكرار لها يمكن العرض لها كالتالي: الدليل الأول صوت الوحي: نرى عبر المحاورات السقراطية، تأكيدات سقراط المتكررة على أنه يتلقى وحيًا من مشير بشير عليه بأن يفعل وألا يفعل، وقد أشار عليه هذا المشير بأن المـوت خير لا شـر فيه فـي "فيدون" كمـا أن الآلهة هي التي لقبته بالحكيم، وهـذا اللقب أشيع عنه وظل ملازما له فتراه يقول: "أيها الأثينيون رب سائل منكم يقول: وكيف شاعت عنك تلك التهمة يا سقراط إن لم تكن أتيت أمرا إذن؟ فلو كنت كسائر الناس لما ذاع لك صوت ولا دار عنك حديث، أنبئنا بعلة هذا إذ يؤلمنا أن نسارع بالحكم في قضيتك. إذن.

صوت الوحي الذي يأتي سقراط جعله مميزًا بشهادة أبناء وطنه، وسقراط  ذاته، ثم يقول في توضيح ذلك الصوت الذي جعله يبدو غريبًا ومميزًا وليس كسائر الناس: "وأعني بذلك الشاهد إله دلفي، إنكم ولا ريب تعرفون شريفون، فهو صديقي منذ عهد الصباء وهو صديقكم منذ ظاهركم على نفي من نفيتم ثم عاد أدراجه معكم، كان شريفون كما تعلمون صادق الشعور في كل ما يعمل، فقد ذهب إلى معبد دلفي وسأل الراعية في جرأة لتنبئه إن كان هناك من هو أحكم مني، فأجابت: ليس بين الرجال من يفضاني بحكمته". إذن الحكمة السقراطية ربما تكـون ذات مصدر إلهي، هكـذا تحدث سقراط.. وهكذا نطقت الشواهد.
فلسفة سقراط
الدليل الثاني: الفلسفة الأخلاقية وهي فلسفة في مجملها أخلاقية، فهـو يدعو إلى الفضيلـة" وإلى طاعة القوانين حتى ولو كانت ظالمة، مما جعل روسو يطلق على سقراط "نبي الدين الطبيعي" كما أنه لم يكن معتدًا أبدًا بنفسه، لا في مأكله ولا في مشـربه ولا فــي ملبـسه، وكان أكثـر الناس تواضعًا، أي أنه ليس عاليا في الأرض أو من المسرفين، ونحن لم نعهد مثل هذه الأخلاق سوى عند الأنبياء والمصلحين، إنه كان يتمتع بالأخلاق النظرية والعملية، تلك التي جعلت القديس أوغسطين يكتب عنه قائلا: "سقراط أيها القديس، سلام عليك في رحاب الأنبياء".
الدليل الثالث: عدم جزعه عند الموت: فسقراط لم يجزع عند الموت، ولم نعهد عليه سوى كل اطمئنان وحب لما هو مقدم عليه، بل ساق الأدلة على أن الموت خير لا شر فيه، وأنه خلود ما بعده خلود، وتحدث عن مصير الأرواح الطبية ومصير تلك الأخرى الشريرة، وكل حديثه مما أقرته النبوات من بعده، وما سـطرته الكتب السماوية عن الثواب والعقاب، ألا يدل ذلك على ثباته ثم اطمئنانه عند الموت بما يشبه الاطمئنان عنـد الأنبياء بنص حديثه هو حيث يقول: "ألا ترى أن عندي مـن روح النبوة ما عند طيور التم التي إذا أدركت أن الموت آت لا ريب فيـه ازدادت تغريدا عنهـا في أي وقـت آخر؟ مع أنها قد أنفقت في التغريد حياتها بأكملها، وذلك اغتباطا منهـا بفكرة أنها وشـيكة الانتقال إلى الله الذي هي كهنتـه، ولما كان الناس يشفقون هم أنفسـهـم من الموت، تراهم يؤكدون افتـراء أن طيور التم، إنما تنشد مرثية في ختام حياتها، ناسـين أن ليس من الطيور ما يغرد من برد أو جوع أو ألم، حتى البلبل والسـنونو، بل حتى الهدهد، الذي تقال عنه بحق إنه يغرد تغريدة الأسى، وإن كنت لا أؤمن بأن ذلك يصدق عليه أكثر مما يصدق طيور التم، فهي إنما أوتيت موهبة التنبؤ لقداستها عند أبولو، فاستطلعت فـي العالم الآخر من طيبات، فطفقت تغني لذلك وتمرح في ذاك اليوم أكثر مما فعلت في أي يوم سـابق، كذلك أنا، فإني أعتقد في نفسي بأنني خادم قد اصطفاه الله نفســه، وإني رفيـق لطيور التم فيما تعمل، فأنا أظن أنه قد أتاني سيدي من التنبؤ موهبة ليست دون مواهبها مرتبة، فلن أغادر الحياة أقل مرحا من طيور التم. 

هكذا تكلم سقراط
نبي الدين الطبيعي

المنهج والغاية والسؤال
ويلفت د. محمد ممدوح أن هناك فروقا جوهرية عديدة بين منهج سقراط ومنهج السوفسطائيين، فالقـول بأنهما يشتـركان في المنهج "الجدل" ليس له أساس من الصحة إذ كان منهج سقراط يقوم على التهكم والتوليد وهو غير منهج الجدل الذي أسـرف في استعماله السوفسطائيون، وكذلك هناك فروق واضحة في الغايات بين المذهبين، فسقراط يهدف إلى وضع تعريفات ثابتة تصلح لكل زمان ومكان، والسوفسطائيون يأخذون من قولهم بنسـبية المعرفة ذريعة لهم لتغيير آرائهم بتغير المصالح أو باقتضاء المواقف التي تسـتجد، فهي غاية ليســت نبيلة وليست شريفة ولن تجدي أو تفيد بمثقال ذرة. 
لقد كانت مهمة سقراط  شاقة حقا، فقد كان يذهب إلى حيـث يكون الأثينيــون في منازلهـم فـي الولائـم في المعهد الرياضي أو فـي قاعات الرياضة، وبخاصة في الجورا (الساحة العامة للمناظرات السياسية، قلب المدينة ومركز التبادل أو اللقاءات)، حيث الطبقة الدنيا من التجار المتجولين وأكـواخ العطارين والحلاقين تحيط بالمكان. والنساء في بيوتهن لتدبير الأسـرة وأكثر المنشغلين من الناس الأحـرار يكملون مهامهم، والآرقاء يشتغلون في خدمة السادة، وإقرار السلام العام، بالاختصار- على حد تعبير باركر - يخيم النظام الأثيني ويترك للمواطنين متعـة البطالة وأوقات الفراغ ‏للمحادثة.
الجدل السقراطي
ويضيف أن سقراط كان له أسلوب عظيم يتمثل في الجدل، فبدلا من الأسلوب الأيوني القائم على إجمال نتائج سبق الوصول إليها في نثر غامض أو شعر مليء بالألفاظ المبهمة، وبدلا من الأسلوب السوفسـطائي القائم على الترتيب المنظم للموضوعات وفق خطة موضوعة وفي حديث فصيح أخذ سقراط بمنهج السؤال الواضح والمحدد، والبحث عن إجابة تتمتع بذات القدر من الوضوح والتحديد. وربما قيل إن الجو الديمقراطي أعطى لسـقراط الحرية ليقول ما يشاء، ولكن ما لا يدركه الكثيرون أن طبيعة شخصية سقراط هي التي فرضت منهجه وسيرته وفلسفته، لأنه على فرض أن أحد الطغاة هو الذي يحكم أثينا آنذاك، فإن ذلك لن يغير من طبيعة سقراط شيئا، لدرجة تجعلنا نقول: إن سقراط لم يكن متمتعا بحرية الكلمة بسبب نظام سياسي، ولكنه كان متمتعا بحرية الكلمة بسبب تركيب نفسي وعقلي فريد من نوعه.
ويعتقد محمد ممدوح أن المشكلة بين سقراط والسوفسـطائيين متضمنة في نقطتين اثنتين، الأولى أن السوفسـطائيين ادعوا تعليم الناس منهجا للحياة في ذات الوقت الذي ادعوا فيه نسبية الحقائق. والثانية أنهم علموا الناس الخطابة دون أن يوجهوهم إلـى الغاية من هذا العلم، وبالتالي وضعوا أسلحة في يد من لا يحسـن استخدامها، ولنذهب إلى بروتاجـوراس مثلا، لنجد فيه هاتين الصفتيــن متأصلتين، إنه كان يدعي أن أي شخص يقصده لا بد وأن يتعلم فن السياسـة فيقول: "ولكنه إذا جاءني فإنه سيتعلم هذا الذي جاء لتعلمه، وهو حسـن التدبير في حياته الخاصة والعامة، سيتعلم كيف يرتب داره خير ترتيب، وسـيصبح قديرًا على القول والعمل في مباشرة شيء من منصبه".