سلطان الأدباء والأمراء 

الشيخ سلطان القاسمي يمثل نموذجاً فريداً من الحكام يعيد إليك ذِكرَى عصور الازدهار الإسلامية الأولى، حيث الحاكم الأديب المفكر متسع الثقافة.


معرض الشارقة للكتاب جزء صغير من منجزات ضخمة لا يكاد العرب يعرفون عنها إلا أقل القليل


نحن أمام حاكم عربي يكنّ لمصر حباً

لأديبنا الراحل وسيد الظرفاء محمود السعدني كتاب وصف فيه رحلة قديمة تنقل خلالها بين عدد من المدن والعواصم العربية، تقرؤه فتضحك أحياناً وتبتئس كثيراً لحال الدول العربية في ذلك الوقت المبكر من حالة انهزام وكآبة وتدهور سادت عدداً من الدول العربية؛ حتى حَلَّ ضيفاً على الإمارات فاختلفت كلماته وانصبغت بألوان من التفاؤل والأمل بأن هذه الدولة مقبلة على فتحٍ عظيم على يد رجلٍ حكيم كان لا يزال حينئذٍ فى بداية حكمه الرشيد، الشيخ زايد.
  ومنذ نحو أربعين عاماً كانت إمارة الشارقة الواعدة تتطلع لازدهار متواصل وواعد حدث على يد أميرها الذي لم يقل حباً لمصر عن الشيخ زايد الذي أحبه المصريون حباً حقيقياً. إنه الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة الرائع، الذي يمثل نموذجاً فريداً من الحكام يعيد إليك ذِكرَى عصور الازدهار الإسلامية الأولى، حيث الحاكم الأديب المفكر متسع الثقافة الذي يحب المسرح والشعر والتاريخ، ويشجع العلم والثقافة إلى أبعد مدى قد يصل إليه تصورك. وما معرض الشارقة للكتاب إلا جزء صغير من منجزات ضخمة لا يكاد العرب يعرفون عنها إلا أقل القليل.
   نحن أمام حاكم عربي يكنّ لمصر حباً خاصاً ربما لكونه درس في جامعة القاهرة فترة قبل أن ينتقل للمملكة المتحدة لإكمال دراسته ونيل الدكتوراه. أو ربما للعلاقات الاجتماعية الواسعة والطيبة بينه وبين عدد من الأكاديميين والسياسيين المصريين. وإلا فكيف نفسر هذا العطاء العظيم والفيض الهائل من أيادٍ جادت بالنَدَى دون انتظار كلمة شكر واجبة من مصر والمصريين. 

قليل من المصريين يعلم أنه قام بتمويل إنشاء أكبر مركز للتدريب بنقابة الصحفيين، ودار الوثائق القومية، وقام بترميم المجمع اللغوي ودعمه بعدد ضخم من المجلدات والمخطوطات القيمة، وتمويل إنشاء مجمع العلوم البحثية بكلية الزراعة بالقاهرة إلى جانب مكتبة ومركز للمعلومات، تعبيراً عن امتنانه النبيل لجامعة وكلية نالت شرف دراسته بها يوماً. كما أنشأ الجمعية المصرية لدراسة التاريخ، بسبب حبه العظيم لتاريخ العروبة والإسلام، وله مؤلفات مهمة في هذا المجال مثل: (الخليج فى الخرائط التاريخية)، و(اقتصاد إمارات الساحل العربي في القرن التاسع عشر)، و(مراسلات سلاطين زنجبار)، و(سيرة مدينة)، و(تحت راية الاحتلال)، و(العلاقات العمانية الفرنسية)، و(صراعات القوى والتجارة فى الخليج)، و(القواسم والعدوان البريطاني) وغيرها.
   قد تندهش للعدد الضخم من الأوسمة والجوائز وشهادات الدكتوراه الفخرية التي نالها عبر تاريخ ثري بالعطاء الفكري والاجتماعي والسياسي داخل وخارج إمارة الشارقة. ولعل أهم مُنجَز تاريخي له هو مشروعه الثقافي والتعليمي الواعِد، ما دفع (اليونسكو) لاعتبار الشارقة عاصمة الثقافة في العالم عام (2019)، كما اعتبرتها عاصمة للثقافة العربية مبكراً في (1998). 
حدث هذا لأن الحاكم الشيخ سلطان القاسمي أنشأ أول منطقة نشر حرة في الشرق الأوسط بالشارقة، وأنشأ بها مَجمعاً للغة العربية، وشجع إنشاء بيوت للشعر ونواد للسيدات ومراكز الناشئة ومراكز الأطفال والفتيات في الشارقة، إلى جانب اهتمامه الكبير بالتعليم بما أحدث طفرة في جيل كامل نَرى اليومَ ثمراته في شعب الشارقة المثقف الراقي. 
أما ما أشد ما أدهشني حقاً عندما بدأت أقرأ بعض مؤلفات الحاكم المثقف صاحب الفكر المتجاوز للزمن الشيخ سلطان القاسمي فطريقته العملية المرهقة التي أعد بها بعض هذه الكتب.. لكن لهذا حديث آخر.