عودة إيميلدا.. استئناس المستبد والحنين إليه

الفيلم يبدأ برجوع إيميلدا التي لم تعد ملكة الجمال الفاتنة. ويتوقع المشاهد إعراضا من الجماهير، أو على الأقل استقبالا فاترا.


المملوك كان ممثلا لاحتلال أجنبي تجب مقاومته بكل الأسلحة طالما لم يكن مسلما


حنين الشعب إلى الاستبداد ليس غفلة، أو مرضا نفسيا نتيجته التماهي مع المستبد

في أزمنة الهوان، مرّت بنا مساخر، كان فيها المملوك المستجلَب من أقصى الشرق يتولى قطع رؤوس مواطنين أبرياء، حتى يتعب فيستريح، أو يثلم سيفه فيذهب للإتيان بسيف جديد. وفي فترة الاستراحة، أو العودة بسيف طازج، كانت الرؤوس المنكّسة تنتظره، ولا يفكر مساكين يترقبون الموت في الهرب، ولا يحاولون الثورة ما دامت النهاية ماثلة، وليس منها بدّ.
كان المملوك ممثلا لاحتلال أجنبي تجب مقاومته بكل الأسلحة طالما لم يكن مسلما. ولأن المملوك مسلم فقد حظي بحصانة تحرّم الخروج عليه. وامتد خط ذلك التحريم على استقامته إلى نهايته، لتنطبق قاعدة التحايل على ممثلي الاحتلال الوطني في العالم العربي. وقد صارت أمنية المواطن المصري الآن، في خريف 2019، أن يعود إلى بيته سالما، وألا يختفي فلا يعرف أهله مكانه إلا بعد مرور فترة تطول أو تقصر لو حسُن حظه.
الشرطي، حفيد المملوك القديم، لديه سلطة فحص تليفون المواطن، وفتح صفحته في وسائل التواصل الاجتماعي، وإرسال رسالة تأييد؛ على سبيل الاختبار ورصد تعليقات يتخذ المملوك بشأن أصحابها وصاحب الهاتف قرارات قاسية، بالمخالفة للدستور. وربما جرى اعتقال المواطن بالشبهات، وحرمانه من الاتصال بأهله، بالمخالفة أيضا لدستور تم تعديله قبل أن يُختبر، وتقول مادته رقم 54: «الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس، وفيما عدا الحالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مُسبّب يستلزم التحقيق. ويجب أن يُبلغ فورا كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويُمكّن من الاتصال بذويه وبمحاميه فورا، وأن يُقدّم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته. ولا يبدأ التحقيق إلا في حضور محاميه...».  

Documentary Cinema
صانعة الملك

أهرب من كابوس مصري إلى فيلم وثائقي أميركي عن إيميلدا ماركوس، فأتعثر في تاريخ عربيّ قريب أشبه بالدراما، وأتذكر قولا سمعته في التلفزيون من عبدالرحمن شلقم يفيد بأن الأخ العقيد معمر القذافي هو والد الشعب الليبي. وصفٌ مبالغ فيه إلى درجة التضليل والافتراء على شعب لم يُستشر في الأبوة القسرية المدّعاة. ويستطيع المثقف إيهام ولي النعم، محدود الذكاء، بأنه أب روحي لشعب لا يُستخدم إلا رصيدا للهتاف بالإكراه.
وفي مهرجان الجونة السينمائي الثالث (19 ـ 27 سبتمبر/أيلول 2019)، عرض فيلم المخرجة الأميركية لورين جرينفيلد «صانعة الملك» (The Kingmaker)، من إنتاج 2019 ويستعرض في 100 دقيقة صعود وسقوط دكتاتور الفلبين فرديناند ماركوس. لو لم يصبح ماركوس رئيسا فربما صار معارضا بارزا يسهم، نظريا وميدانيا، في مقاومة الاستبداد؛ فهو محام مرموق وبرلماني لسنوات طويلة، قبل أن يتولى الرئاسة عام 1965، ويمارس الفساد والاستبداد، وتستبد به شهوة السلطة التي استهوت أيضا زوجته إيميلدا بطلة هذا الفيلم.
يبدأ الفيلم برجوع إيميلدا التي لم تعد ملكة الجمال الفاتنة. ويتوقع المشاهد إعراضا من الجماهير، أو على الأقل استقبالا فاترا، بعد مرور زمن طويل على خلع زوجها الدكتاتور، وفرار الأسرة عام 1986، واستمتاع أفرادها في المنفى بما قدّر بنحو عشرة مليارات من الدولارات المهربة إلى خارج البلاد. ولكن حرارة استقبال المرأة تغريها بالتصرف العملي واللفظي كما لو أنها السيدة الأولى، ومعها مساعدون منهم امرأة تحمل حقيبة أوراق مالية، وتشير إليها إيميلدا، فتفتح الحقيبة وتوزع بنفسها الأموال على مرضى يقفون بمذلة انتظارا لإحسانها، أو على مواطنين في الشارع خلال جولاتها الانتخابية. ولديها يقين بأن الحكومة «ليس لديها قلب.. والشعب يحتاج إلى أمّ».
وفي مزيج من التباهي والبارانويا، تستعير صوت السيدة الأولى التي كانت: «كنت أمّا. ثم أصبحت أمّا للدولة، وأمّا للعالم». كانت إيميلدا فتاة بسيطة اختيرت ملكة للجمال، وأحبها ماركوس وتزوجها. وتنفي أنها كانت ماري أنطوانيت، «بحكم المولد لا أنتمي إلى طبقة النبلاء. ولكن من حقي أن أكون ضمن هؤلاء». وكان لها ما تمنت، ولا تزال تضع نفسها في هذا الإطار، وتحرص على أن تبدو بكامل أناقتها قبل بدء التصوير، ثم تتجول في بيتها الحالي أو قصرها القديم. وعلى خلفية مقاطع فيديو وصور فوتوغرافية، تستعرض ماضيا كانت فيه مبعوثة زوجها إلى عدد من زعماء العالم. ويخلو خطابها الآن من الندم والاعتذار، ولا تعترف بارتكاب أخطاء أدى تراكمها إلى ثورة الشعب على دكتاتور أغرق البلاد في الديون، وأغدق على أسرته رفاهية مرَضية تجسدت في هوس زوجته بجمع الآلاف من الأحذية والحليّ والتماثيل واللوحات الفنية والحيوانات البرية النادرة.
في مشهد دال تستعرض جانبا من مقتنياتها وتضم منحوتات ولوحات لبيكاسو ومايكل أنجلو وغيرهما. هذا الاسترسال في الزهو بماضيها يواجه بشهادات لأهل جزيرة صغيرة يتهمون زوجة الدكتاتور بتهجيرهم تماما، وإخلاء الجزيرة التي استجلبت لها إيميلدا حيوانات من غابات كينيا.
في تصور إيميلدا عن نفسها أنها كانت «أمّا للعالم» مزايدة على ما ذكره شلقم، وما أعلنه القذافي في قمة الدوحة عام 2009 أنه «القائد الأممي وعميد الحكام العرب وملك ملوك إفريقيا وإمام المسلمين». لم يدّعِ القذافي أنه عراب للعالم، مثل المرأة البدينة العائدة إلى مانيلا بالأموال المنهوبة، وتقرر تأهيل ابنها السناتور «فرديناند ماركوس جونيور» الشهير ببونجبونج لاحتلال موقع أبيه، وترى أنه لن يواجه بممانعة، في ظل أزمة اقتصادية تدفع الناخبين إلى الترحم على الاستبداد، والحنين إلى المستبد.

السينما الإميركية
لم تعد ملكة الجمال الفاتنة

الابن «بونجبونج» يصف أمه إيميدا في الفيلم بأنها «حيوان سياسي»، بسبب طموحها إلى استعادة الملك، ولو تغيرت صيغة هذه الاستعادة، فهي تأسف على أن «بونجبونج» عضو مجلس الشيوخ لم يترشح للرئاسة، وينافس على منصب نائب الرئيس الذي سيكون خطوة إلى الرئاسة. وتتكلم عن إنجازات زوجها في بناء الدولة، وأنه كان زوجا حنونا وزعيما مظلوما.
حنين الشعب إلى الاستبداد ليس غفلة، أو مرضا نفسيا نتيجته التماهي مع المستبد، فالضائقة الاقتصادية التالية لعمليات التغيير تحيل المقهورين إلى وهم الاستقرار السابق، وهكذا يفضل المستبد أن يحكم شعبا فقيرا جاهلا، ويزعجه ارتفاع مستوى الوعي الذي يجعل الشعب يرفض مقايضة الأمن بالحرية.
إيميلدا في التسعين تحلم بإعادة الزمن، وتتجول بحقيبة أوراق مالية توهم «الحيوان السياسي» بأن الأيدي الممدودة هي أيضا رصيد انتخابي، ربما يحمل ماركوس الابن إلى الكرسي، ويطيل عمر السلالة.