فضل العرب على الغرب

العامل الذي ساعد القارة الأوروبية على الخروج من ظلام العصور الوسطى إلى عصر الأنوار الحديثة، هو حركة الترجمة الدائبة من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية.


العقاد يثبت أن الأوروبيين تلقوا عقائدهم عن الأسبوع وأرباب الأيام وسلطانها على الأحياء أو على الأحداث والزروع والضروع عن العرب


فضل العرب وحضارته الشرقية لا تقوم بغيره الحضارة الغربية

هل للحضارة الشرقية فضل على النهضة الأوروبية؟ 
للفيلسوف الكبير الدكتور عبدالرحمن بدوي كتاب مهم عن أثر العرب في الحضارة الأوروبية وفضلها عليها، ومن المعروف أن العامل الذي ساعد القارة الأوروبية على الخروج من ظلام العصور الوسطى إلى عصر الأنوار الحديثة، هو حركة الترجمة الدائبة من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية - لغة أوروبا قبل ظهور اللغات الأوروبية الحديثة - وترجم الأوروبيون ما وصل إلى أياديهم من آثار علماء وفلاسفة بدءًا من الفارابي والكندي وابن سينا وابن الهيثم والخوارزمي وثابت بن قرة والبيروني... إلى ابن رشد. 
وكان لهذه الآثار المترجمة فضلها في إعادة العقل إلى القارة الأوروبية ومخاض النهضة الذي بدأ بصراع بين أهل العلم وأهل الكهنوت، ونال فيه العلماء معاناة كبيرة وعذابا أكبر حتى انتصر الفكر العلمي بعد قرون من المقاومة حتى دخلت أوروبا من العصور الوسطى إلى عصور النور الكلاسيكية الجديدة ثم إلى عصر النهضة، وما تلاه من عصور. 
كان خروج أوروبا خروجًا قويًا في العلوم والفنون والآداب، فظهرت مناهج البحث والتجربة ومناهج الفكر النقدي ومناهج البحث الأدبي، كما ظهرت مؤلفات أوروبية جديدة نوعًا وفنًا عما كان مألوفًا في العصور الوسطى، فظهر لوب دي فيجا، وسرفانتس، وظهرت المسرحية الغنائية (الأوبرا)، وظهر فن "الركوكو"، وظهر إحياء لفن النحت الإغريقي وإبداعات فناني القرن السابع عشر والثامن عشر في التصوير والنحت والتي لا تزال محفوظة في متاحف أوروبا وأشهرها "اللوفر" و"المتحف البريطاني" ومتاحف فرانكفورت وبرلين، إلى جانب المتحف المفتوح في مدينة روما وشوارعها.
ولم تكن هذه الفنون تلقى القبول الحسن عند رجال الدين، بل إنهم كانوا يسألون المريض الذي يذهب شاكيًا من مرضه: "هل ذهبت إلى مسرح راسين وكورني؟ فإذا قال نعم، قالوا له: "هذا سبب دائك"!. لم يكن الأمر سهلًا، ولكن التغيير والحروب التي خاضتها أوروبا للتخلص من العقليات المسيطرة هو الذي وصل بالغرب إلى ما وصل إليه من تقدم، وللعقاد رأي مهم في هذا الموضوع. 
يقول العقاد عن تأثر الحضارة العربية المعاصرة بعلوم الغرب ما يلي: "ذلك سداد الديون وكثيرًا ما يكون سداد الديون غير مقصور ولا مشكور، ولا سيما ديون الحضارات الإنسانية التي تتوارثها الأمم دواليك بين الأخذ والعطاء". 
ويقول إن الغرب أخذ الكثير من الشرق، فقد أخذ الغرب من الشرق العقائد السماوية، وآداب الحياة والسلوك، وفنون التدوين والتعليم، ويقصد بكلمة "العقائد السماوية" كل ما عرفه الأوروبيون الأقدمون عن السماء وأفلاكها ومداراتها وسلطانها المزعوم على الأرضين، وطوالعها النافذة في جميع الأحياء سواء ما انطوى منها تحت عنوان "علم الفلك" أو ما انطوى تحت عنوان "الكهانة والتنجيم". 
ويثبت العقاد أن الأوروبيين تلقوا عقائدهم عن الأسبوع وأرباب الأيام وسلطانها على الأحياء أو على الأحداث والزروع والضروع عن العرب، بل إن الأسماء الإفرنجية للأيام تحمل هذا التأثر بالطابع العربي القديم عن العقائد السماوية. 
وفي الجزء الأول من كتاب "إخوان الصفاء" جاء ما يلي عن ساعات الأيام: "أعلم أن الليل والنهار وساعاتهما مقسومة بين الكواكب السيارة، فاول ساعة من يوم الأحد للشمس، وأول ساعة من يوم الإثنين للقمر، وأول ساعة من يوم الثلاثاء للمريخ، وأول ساعة من يوم الأربعاء لعطارد، وأول ساعة من يوم الخميس للمشتري، وأول ساعة من يوم الجمعة للزُهرة، وأول ساعة من يوم السبت لزُحل". 

arab
فضل علوم العرب 

ويطابق العقاد مسميات الأيام الإفرنجية فيجدها مطابقة للمسمى العربي المعروف، فيوم الأحد يعرف في الإنجليزية Sunday ويوم الإثنين Monday ويوم الثلاثاء Tuesday أو يوم "تيوز" إله الحرب عند أمم الشمال، وهو Mars  أو المريخ وتوضحه التسمية الفرنسية Mardi أو يوم مارس "المريخ"، ويوم الأربعاء يعرف في الإنجليزية باسم Wednesday أي يوم "ودين" إله المعارف والفنون عند قدماء "التيوتون" وتوضحه التسمية الفرنسية التي تطلق عليه Mercredi أو يوم عطارد بالفرنسية، ويوم الخميس يعرف في الإنجليزية باسم Thursday  أو يوم "ثور" إله الرعد عند قدماء "التيوتون" يوضحه الاسم الفرنسي Jeudi  أي يوم المشتري أو Jupiter ، ويوم الجمعة فهو Friday أو "فريج" زوجة عطارد، وهو بالفرنسية Vendredi أو يوم الزهرة وVenus، ويوم السبت Saturday أو يوم زحل Saturn  في تلك اللغة إلى اليوم، وهذه المسميات التي نقلوها عن عقائد التنجيم العربية لم ترتبط بالأيام والأسبوع والمعيشة اليومية، بل اتسعت فصبغت حياتهم العاطفية بصبغتها.
ويتحدث العقاد عن أمثلة كثيرة من فضل علوم العرب في الجغرافيا والفلك والرياضة والطب والكيمياء والطبيعيات، فمثلًا يذكر أن الشريف الإدريسي صاحب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" صنع لملك صقلية روجر الثاني في القرن الثاني عشر كرة من الفضة زنتها أربعمائة رطل رومي ليضع عليها معالم الكرة الأرضية، وقد وضع الإدريسي خرائط لمنابع النيل ووصل إلى فكرة كروية الأرض، أو كما تخيلها "كمثرية"، وهناك الرحالة المشهورون مثل المسعودي وابن حوقل وياقوت الحموي والبيروني، وكثيرون لم يتركوا مدوناتهم وإن تركوا بصماتهم اللغوية على فنون الملاحة التي مازالت بلغات أوروبا تُنطق تحريفًا للأصل العربي ومن ذلك: Tare من طرح السفينة، و Felouque من الفُلك، وCaifata  من القلفطة، و Amiral من أمير البحر، وArsenal  من دار الصناعة، و Risk من رزق، وAvala من كلمة حوالة، وكلمة Avaar من كلمة عوار، وكلمة Wissil من وصل، و Calibre من كلمة قالب، وكذلك في مصطلحات علم الفلك والكيمياء ما يزيد على خمسة آلاف كلمة أصلها عربي وكُتبت بنطق محرف يتماشى مع قواعد اللغات الغربية.
ويُعلل العقاد لنقطة مهمة بين الحضارتين الشرقية والغربية، فهو لا يشعر بأي إحساس بالتدني نحو حضارة الغرب، لأن فضل العرب وحضارته الشرقية لا تقوم بغيره الحضارة الغربية، ولكنه يحدد النقطة الفارقة في تقدم الغرب من الناحية المادية وتوقف الشرق عن المنافسة في كلمة سر واحدة هي "اختراع الآلة"، فاختراع الآلة هو الذي ساعد الإنسان الأوروبي على التطور واستخدام العقل بدلًا من عضلاته وتوظيف الآلة فيما كان يقوم به الإنسان، ولهذا الاختراع فضل آخر أنه جعل الغرب يستغني عن الرق والعبودية لأن عمل الآلة أوفر من تشغيل البشر واستعبادهم وإطعامهم، وبهذا الاختراع قفز المجتمع الغربي في نموه المادي بشكل لم يسايره الشرق فيه.