في تونس .. لا رقص دون كرامة جسدية

مريم قلوز تؤكد أن اعتراف الدولة بمهنة الرقص يعتبر حدثا تاريخيًا على امتداد الوطن العربي وبعض الدول الإفريقية.


تونس تنظم مهرجانا خاصًا بالرقص بتمويل كامل من الدولة


عرض "ملكة الدم" اهتم بحركات لعبة شعبية لكنه بحث أيضًا في قدرة الجسد على التعبير والتواصل مع بقية الأجساد دون كلام

تختتم الخميس 20 يونيو/حزيران بمدينة الثقافة بالعاصمة التونسية الدورة الثانية لأيام قرطاج الكوريجرافية بحضور الدكتور محمد زين العابدين وزير الشؤون الثقافية، ومحمد الهادي الجويني مدير عام المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية. وأكدت الدكتورة مريم قلوز، الراقصة والباحثة الأكاديمية ومديرة الدورة الثانية لأيام قرطاج الكوريجرافية أن اعتراف الدولة بمهنة الرقص يعتبر حدثا تاريخيًا على امتداد الوطن العربي وبعض الدول الإفريقية، لأن تونس تنظم مهرجانا خاصًا بالرقص بتمويل كامل من الدولة، ويعتبر الرقص مهنة كغيرها من المهن الشريفة. 
وعن سبب اختيارها لشعار "لا رقص دون كرامة جسدية" ليكون أيقونة لهذه الدورة، قالت مريم قلوز إن الجسد الراقص هو صورة للمجتمع، وممارسة أي نوع من أنواع الهيمنة أو انتهاك الحرية الفردية، أو أي نوع من أنواع العنف سيكون عائقًا أمام الإبداع وحرية التعبير الفني والجسدي. وقد وجهت شكرها إلى وزارة الشؤون الثقافية الداعمة لحرية الرقص والإبداع وكامل الفريق العامل في هذه الدورة من تقنيين وإداريين.
وعن البرمجة والعروض تحدثت كاهنة الصانع، مديرة البرمجة عن عمل الهيئة الفنية المتكونة من  الكوريجرافيين: نوال سكندراني، زينب فرحات وملاك السبعي الذي أفضى إلى انتقاء 19 عرضًا من بينها سبعة عروض تونسية من جملة اثنين وخمسين عرضاً تقدمت للمشاركة في هذه الدورة من مختلف الدول العربية والإفريقية مثل: مصر، لبنان، سوريا، والسنغال.
 كما أشارت إلى تنوع البرمجة بين العروض التي احتضنها قاعات مدينة الثقافة، وقاعات: الريو، قاعة الفن الرابع، مسرح الحمراء وقاعة الافريكا، إضافة إلى الورشات  التي يشرف عليها كوريجرافيون من: فرنسا، بريطانيا وغيرهما من الدول.
كان الموعد في حفل الافتتاح مع عرض "مملكة الدم" لعصمان من فرنسا، وسط تفاعل كبير من الجمهور الحاضر.
ويذكر أن الدورة الثانية لأيام قرطاج الكوريجرافية انتظمت في الفترة الممتدة من الجمعة 14 يونيو/ حزيران إلى الخميس 20 بمشاركة 14 دولة منها: مصر، لبنان، سوريا، فلسطين، الجزائر، المغرب، توجو، بلجيكا، بوركينا فاسو، المانيا، فرنسا، والولايات المتحدة الأميركية، وجوادا لوب.
ويؤكد المتابعون أن أيام قرطاج الكوريجرافية جاءت لتتوج إرث الرقص في تونس، وتصالح التونسيين مع فن يحتفي بتاريخهم الثقافي، وذلك من خلال العروض التونسية والأجنبية المقدمة في رحابه، ومن خلال الورشات ولقاءات العصف الذهني التي تطرح أسئلة عميقة وتسعى للإجابة عنها ومنها كرامة الجسد ضمن تاريخيته وضمن ذاكرته وطرق ضمان حريته واعتبار الرقص شكلًا من أشكال حرية الأجساد.
وعرض "ملكة الدم" لعصمان بابا سي.. يراه النقاد التوانسة أشبه بما يجري في مباريات كرة القدم، ولكن من خلال نكهة الرقص الإفريقي الأنثوي.

فهذه الدورة اُفتتحت بعرض للفرنسي عصمان بابا سي، وهو من أصول سنغالية، نفذته مجموعة راقصات "البرادوكس صال" التي أسسها عصمان بعد رحلة ثلاثة عقود مع التجريب في الرقص وتصميم الرقصات.
وهو فسيفساء متناقضة من الحركات والخطوات السريعة أحيانًا والمتثاقلة أحيانًا أخرى، والفوضوية في أحيان ثالثة، والشطرنجية في أحيان رابعة. وهو بذلك يتشبه بحركات لا متناهية تشهدها مباريات كرة القدم، ولا سيما إذا علمنا أن مصمم العرض هو باحث في حركات أجساد لاعبي كرة القدم لمدة ثلاثة عقود.
اللوحات الراقصة المقدمة على إيقاعات موسيقى الهاوس العالمية كانت حريصة على ابراز تلك الجزئيات الصغيرة التي عادة ما نهملها عند مشاهدتنا لمباراة كرة قدم أثناء المراوغات وأثناء التحام أجساد اللاعبين والخطوات الغاضبة والمنتصرة.
ويرى النقاد أن عصمان بابا سي لم يكن مجرد ناقل لحركات لاعبي كرة القدم عبر أجساد راقصات "البرادوكس صال" بل كثف من المشاعر التي نلمحها في تعابير الوجه وحركات الأعين.
وبالتالي فعرض "ملكة الدم" اهتم بحركات لعبة شعبية لكنه بحث أيضًا في قدرة الجسد على التعبير والتواصل مع بقية الأجساد دون كلام. واختيار جسد المرأة الزنجية لتقديم لوحاته حمل عدة دلالات؛ أولها تقديم الجسد الإفريقي الانثوي المسكون بالرقص، والذي يلخص طبيعة إفريقيا في قسوتها وفي لينها، وفي ذلك أيضًا اعتراف وتكريم للمرأة الإفريقية التي مازالت تعاني اضطهادات مختلفة في مجتمعاتها، وبخاصة ذات النزعة القبلية.
وبقدر تأصيل أيام قرطاج الكوريجرافية لفن الرقص في تونس وفي إفريقيا والوطن العربي، فهي تشرّع على التساؤلات الفلسفية والفكرية الشجاعة بخصوص علاقة المجتمعات الشرقية ذات النزعة الذكورية بالرقص وعلاقة الجسد بالذاكرة والحرية.