لؤلؤة الثقافة

الشارقة إمارة خلّابة؛ تتوسط الإمارات السبعة، وتمتد على مساحة تصل إلى ما يزيد عن 2500 كم2.


الشارقة تحظى بأكبر عدد من متاحف الإمارات


العالم يأتي إليها من سائر أقطار الأرض

ثمة مزيج سحري ابتدعه الغرب بين ثالوث جهنمي بات بإمكانه رفع معدلات السياحة في أى دولة، وهو ثالوث: "التراث والعمارة والترفيه". هناك دول باتت من دول الجذب السياحي وليس بها مزارات سياحية تذكر. لكنها استطاعت النفاذ إلى الأسواق السياحية من خلال اهتمامها بهذا المثلث الذهبي: إحياء التراث، المنشآت العصرية، وتوفير وسائل الترفيه الجذابة.
الشارقة إمارة خلّابة؛ تتوسط الإمارات السبعة، وتمتد على مساحة تصل إلى ما يزيد عن 2500 كم2، لها منفذ ساحلي على الخليج العربي وآخر على خليج عمان، وهي الوحيدة التي لها حدود مع سائر الإمارات الأخرى بالإضافة إلى حدودها مع عُمان. وهي ذات امتداد تاريخي ضارب في القدم، حيث أكدت الحفريات الأثرية دليلاً على وجود حياة بها قبل 8500 ق. م، أي منذ العصر الحجري.
لم يكن هذا الموقع المتميز كافياً لجعلها بين دول الجذب السياحي. كان لا بد لها من مقومات أخرى تضعها على الخريطة السياحية العالمية. وقد اختارت لنفسها المقوِّم الثقافي ليكون هو العنصر الفاعل والمميَّز في البنية الوصفية لسيرتها الذاتية المعروضة على زائريها.
الشارقة تحظى بأكبر عدد من متاحف الإمارات، بها متحف بحري وآخر إسلامي ومتحف حضاري ومتحف علمي ومتحف فني ومتحف للسيارات القديمة وآخر للطائرات وأكواريوم للأحياء البحرية، وجميعها تمثل تحفاً معمارية بارعة الجمال.
ورغم أن مدينة الشارقة هي الأجمل باعتبارها عاصمة الإمارة، لكنّ هناك مدنا أخرى لا تقل جمالاً أو تميزاً، منها مدينة "خورفكان" التي تضم الميناء الرئيسي وهى متعة بصرية وحدها، ومدينة "كلباء" على خليج عُمان، شرقيّ الإمارة، وتضم أغلب المزارع. ومدينة "الذيد" خضراء الأديم ذات الأراضي الخصبة المفروشة بالزروع والمروج. 

تُفاجأ في الشارقة ذات المليون ونصف نسمة، بعشرات الفنادق والمتنزهات والمزارات والحدائق والشواطئ والمنتجعات السياحية والمناظر التي تخطف الأبصار بجمالها وأناقتها وعصريتها. كل هذا تم بناؤه وتشييده في غضون سنوات لا تُعَدُّ شيئا فى ميزان الزمن.
ثقافة التنوع وتنوع الثقافات
ليس عجيباً إذن أن نشهد كيف أن الإمارات عموماً والشارقة خاصة، نجحت في الانفتاح على العالم، وكيف أن العالم يأتي إليها من سائر أقطار الأرض.
هناك أكثر من مائتي جنسية مختلفة بالإمارات. هناك نشاط تجاري واستثماري على مدار الساعة لا ينقطع. هناك تجارة خارجية تتعدى الخمسمائة مليار درهم. وللإمارات شراكة تجارية كوكبية في استراليا وآسيا وأوروبا وفي شرق وشمال وغرب أفريقيا وفي أميركا والكاريبي. وهي الآن بصدد إقامة مشروع سياحي هائل الحجم لاستقبال معرض "إكسبو" الدولي عام 2020، حيث تستضيف الإمارات ذات الثمانية ملايين نسمة عدداً من السياح قد يربو على العشرين مليون زائر!  
"التنوع الثقافي" هو شعار تتبناه الإمارات وتعلنه في محافلها، وهو لم يأتِ من فراغ. ثَمّة كتاب مهم من تأليف "آرمان ماتلار" صدر عن مؤسسة محمد بن راشد بالاشتراك مع دار الفارابي اللبنانية، هو كتاب: (التنوع الثقافي والعولمة) يغوص فيه الكاتب الفرنسي في رؤى متباينة وعميقة حول ارتباط الحضارة الحديثة بالتعددية الثقافية، ويعرض لكيفية تدويل التراث والفكر، وكيفية بناء العلاقات الجيوبوليتيكية رغم حواجز اللغة واللهجة، وكيف تتأرجح الهوية الوطنية بين رؤية الدولة وآليات السوق، وكيف تم صهر الثقافة في بوتقة مؤسسية. وانتهى إلى نتيجة مؤداها أن الرهان الحضاري اليوم قائم على أساس جغرافية التنوع وإذابة الحدود من أجل عولمة الثقافة المحلية ودمجها في شبكة تصلها بأطراف العالم، وأن هذا الرهان واجب التحقيق لاتقاء صدام الحضارات الذي يبدو في الأفق.
هذه الرؤية تتفق مع إعلان اليونسكو عن التنوع الثقافي لا باعتباره ترفا حضاريا، وإنما ضرورة إنسانية من أجل تدويل الثقافة وعولمة التراث وتحقيق التفاهم والتواصل بين الرفقاء والفرقاء بعيداً عن صيغة الحرب والإرهاب.