محمد سلماوي في عيده الماسي

تجربة إبداعية ثقافية جليلة، تتجسد في أعماله الأدبية والمسرحية المضيئة، ومواقفه الفكرية المؤثرة، ومناصبه الإدارية الرفيعة.


رجل هادىء الطبع، واثق الخطوة، واسع المعرفة، يتخذ القرار بعد الحوار


روائي وقاص متفرّد، صاحب شفافية، يستشرف المستقبل ويقرأ الواقع في ذكاء أدبىٍ خبيرٍ

في السادس والعشرين من مايو/آيار الجاري، يتم الكاتب الكبير محمد سلماوي، عامه الخامس والسبعين، أطال الله في عمره، وهي مناسبة جديرة بأن نحتفل بها جمعياً، لما للرجل من تجربة إبداعية ثقافية جليلة، تتجسد في أعماله الأدبية والمسرحية المضيئة، ومواقفه الفكرية المؤثرة، ومناصبه الإدارية الرفيعة، بجانب دوره كإعلامى بارز وصاحب قلمٍ نزيه بنَّاء.
ومِن دواعي سروري أن كنت عضواً بمجلس إدارة اتحاد كُتاب مصر تحت رئاستِه من عام 2004 ، وحتى اكتفائه برغبة منه من الرئاسة في عام 2015.
وهو رجل هادىء الطبع، واثق الخطوة، واسع المعرفة، يتخذ القرار بعد الحوار، وقد تعلمت منه الكثير، ومن أقواله "إن الثقافة أسلوب حياة ومعايشة وليست كلمات تقال، وعلى الأمم التي ترغب في التقدم والإزدهار أن تأخذ برأى النُخبة المُثقفة، وأيضاً – على الإنسان أن يحقق من الإنجازات ما يستطيع أن يواجه به كل آتٍ."
ولم تكن هذه الأقوال مجرد شعاراتٍ بل تأكدت على أرض الواقع متحققة في كل مكان طرقَ بابه، ومنها اتحاد كُتاب مصر، الذي شهِد في فترة رئاسته نهضة في المبنى والمعنى من ملامحها تطوير المكان وامتداده إلى مقرٍ آخر بقلعة صلاح الدين بالقاهرة، وصدور العدد الأول من مجلة "ضاد" في نوفمبر/تشرين الثاني 2005 ملبيةً رغبة الأدباء والكُتاب في مصر، وفي عهده عاد الاتحاد العام للأدباء والكُتّاب العرب إلى مصر، وأصبح أميناً عاماً له، ويتزامن ذلك مع المؤتمرات الثقافية والفكرية المصرية والعربية، وبحضور الشخصيات البارزة على المستوى المصري والعربي، بالإضافة إلى زيادة الموارد المالية للاتحاد، والإعلان عن جائزته الإبداعية العربية كل عام.

أجمل ما نقدمه له في عيده الماسي، أطيب الأمنيات له بالصحة الطيبة وموفور السعادة والعمر المديد، وإلى مزيد من العطاءات والنجاحات. وهنيئاً لمصرنا به: كاتباً ومبدعاً وإنساناً. وفارساً للثقافة المصرية

ومحمد سلماوي تتعدّد مواهِبُهُ ويتوازى إبداعه، فهو كاتب مسرحي مُبدِع، أسس مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وكان أول أمين عام له في عام 1988، وقدّم عدداً من المسرحيات التي أثرت إيجابياً في مسيرة المسرح المصري، ومنها: فوت علينا بكرة واللي بعده (1983)، القاتل خارج السجن (1985)، سالومي (1986)، اثنين تحت الأرض (1987)، الجنزير (1992)، رقصة سالومى الأخيرة (1999).
وقد حصلت مسرحيته "سالومى" على درع مهرجان جرش الدولى بالأردن في 1989 وفازت مسرحية "الجنزير" بجائزة أفضل نص مسرحي في إفتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب في 1996، كما فازت مسرحيته "رقصة سالومي الأخيرة" بجائزة مهرجان قرطاج المسرحي بتونس في عام 1999، وترجمت أعماله المسرحية إلى اللغات الأجنبية، فقدم له مسرح سانكتوارى بواشنطن مسرحية "فوت علينا بكرة" بالإنجليزية، وقدم له مسرح مولهايم بألمانيا قراءة لمسرحية "اثنين تحت الارض" عام 1994، وعرضت له مسرحية "الجنزير" على مسرح تريانون بباريس في عام 1996.
وهو - أيضاً – روائي وقاص متفرّد، صاحب شفافية، يستشرف المستقبل ويقرأ الواقع في ذكاء أدبىٍ خبيرٍ، ومن أعماله القصصية والروائية: الخرز الملون (1990)، الرجل الذي عادت إليه ذاكرته (1983). باب التوفيق (1994)، - وفاء إدريس وقصص فلسطينية أخرى (2000). أجنحة الفراشة (التي تنبأ فيها بأحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير قبل وقوعها).
وارتبط اسم سلماوي باسم أديب مصر العالمي نجيب محفوظ، بعد أن اختاره ممثلاً شخصياً له في إحتفالات جائزة نوبل باستوكهولم بالسويد عام 1988 ليلقي كلمته في حفل استلام الجائزة.
كما أجرى مع سلماوي حوارات كثيرة صدرت فى كتاب له بعنوان "حوارات مع نجيب محفوظ" في عام 1996 ومن حوار بينهما، تم في مستشفى الشرطة بالقاهرة عقب غرس شاب السكين في رقبة محفوظ – مساء الجمعة من أكتوبر/تشرين الأول عام 1994- سأله سلماوي: ما هو شعورك تجاه هذا الشاب، فقال على الفور: إنه ضحية، لذلك فشعوري هو شعور الأب تجاه الابن الذى ضل الطريق، إنه شعور أكثر إيلاماً مما يمكن أن نشعر به تجاه أى مجرم عادى، ثم عقَّب سلماوي: ألا يحدث أن يغضب الأب على ابنه ولا يستطيع أن يسامحه أو يغفر له خطاياه؟ فأجابه محفوظ: لكنني أنا أسامحه ثم استطرد: سامحته عما يخصنى أمَّا ما يخص المجتمع فالعدالة يجب أن تأخذ مجراها."
وبعد وفاة محفوظ أصدر سلماوي كتابه "نجيب محفوظ ... المحطة الأخيرة" وأهداه إلى ابنتيه "فاطمة وأم كلثوم نجيب محفوظ" وكتب في مقدمته "هذا الكتاب ليس مجرد يوميات الفترة الأخيرة من حياة الأستاذ نجيب محفوظ، من لحظة دخوله المستشفى الأحد 16 يوليو/تموز 2006 إلى أن وورى التراب الخميس 31 أغسطس/آب 2006، بقدر ما هو محاولة – من خلال هذه اليوميات – لتقديم صورة رجل لم يكن كمثله أحد، لا فى أخلاقه  السامية ولا في شخصيته الفريدة، ولا في إنجازه الأدبي غير المسبوق. هو محاولة لتقديم رؤية صادقة للرجل من خلال علاقة ممتدة دفعتني به منذ قابلته أول مرة فى السبعينيات، وحتى حملتُ نعشه على كتفى بعد ذلك بأكثر من ثلاثة عقود".

ويذكر أن محمد سلماوي قد حصل على ليسانس الآداب، قسم اللغة الإنجليزية، كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1966.
ودبلوم مسرح شكسبير، جامعة أكسفورد عام 1969 وماجستير في الإتصال الجماهيري، الجامعة الأميركية بالقاهرة في 1975 وقد تدرج في الوظائف كمدرس للغة الإنجليزية وآدابها بكلية الآداب جامعة القاهرة في الفترة من 1966 حتى 1970 وعمل محرراً للشئون الخارجية بجريدة الأهرام في الفترة من 1970 حتى 1988 ثم عُين وكيلاً لوزارة الثقافة للعلاقات الخارجية في الفترة من 1988 حتى 1989 وتولى منصب مدير تحرير الأهرام ويكلى الصادرة بالإنجليزية في الفترة من 1991 حتى عام 1993. وأسس ورأس تحرير جريدة الأهرام إبدو الصادرة بالفرنسية منذ عام 1994.
وقد اختير عضواً بلجنة التحكيم بمهرجان FIPA الدولي بفرنسا للصوتيات والمرئيات عام 2003. وعُين مفوضاً عاماً عن الجانب المصري للإشراف على احتفالات عام مصر وإيطاليا في الفترة من 2003 حتى عام 2004. ولتميزه وتفوقه في الترجمة أن صدرت له ترجمات عدة لأعمال أدبية عالمية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ترجمته عن الفرنسية رواية "مسيو إبراهيم وزهور القرآن" للكاتب الفرنسي إريك إيمانويل شميت، وقد صدرت عن دار الشروق في 2005 وقد سبق أن تحولت هذه الرواية إلى فيلم سينمائي عالمي بطولة الفنان المصري عمر الشريف، وفي تقديمه للرواية المترجمة يقول عنها محمد سلماوي "تمثل هذه الرواية قصة حياة نادرة بين السيد إبراهيم المسلم الذي تخطى السبعين والصبي اليهودي موييس (موسى) وهي لا تحكي عن الحب الذي يمكن أن ينشأ بين رجل وامرأة، وإنما ذلك الذى ينشأ بين روحين، والروح لا يهم إن كانت لرجل أو لامرأة، لأن الحب ليس للمظهر الخارجى وإنما للمخبر الداخلى، وهي رواية تتخطى كل العقبات العنصرية والدينية والحضارية لتقدم لنا علاقة إنسانية جميلة بين مسلم ويهودي، بين شرقي وغربي، بين كهل وصبي.." 

salmawi
جائزة أفضل نص مسرحي 

ويُعد محمد سلماوي من الشخصيات الثقافية المصرية البارزة، التي تحرص المواقع الثقافية في داخل مصر وخارجها على دعوته للمشاركة في إحتفالاتها وأحداثها المهمة ونذكر دعوة جامعة الدول العربية بالإشتراك مع سفارة الهند له لإلقاء كلمة افتتاحية بمناسبة الإحتفال بالذكرى الـ 150 لمولد الزعيم الهندي العظيم المهاتما غاندي، وكان ذلك في 2019 بالقاهرة بحضور أمين عام الجامعة أحمد أبوالغيط والسفير الهندي راهول كولشريشت، وكان عنوان كلمته "غاندى ... رجل القرن 21" و – أيضاً – حرصت مصر على اختياره ضمن الـ 50 عضواً المشكلين للجنة وضع دستور مصر 2014 وكان المسئول الإعلامى لها.
ونال سلماوي العدير من الجوائز والأوسمة المصرية والعالمية ومنها: وسام الفنون والآداب الفرنسي بدرجة فارس عام 1995 وجائزة الدولة المصرية التقديرية في الآداب.
ولا يزال قطار الإبداع الثقافى السلماوي يمضى مضيفاً أعمالاً فكرية وأدبية وثقافية، تتباين في مضمونها وتتَّحدُ في جودتها وعمق مضمونها، ومنها: من أدب السيرة الذاتية "أياماً معدوداتٍ"، ومن القصص "ثمانية أيام"، ولا يزال القارىء في كل مكان يترقب ما يكتبه، وما يصدره.
ولعل أجمل ما نقدمه له في عيده الماسي، أطيب الأمنيات له بالصحة الطيبة وموفور السعادة والعمر المديد، وإلى مزيد من العطاءات والنجاحات. وهنيئاً لمصرنا به: كاتباً ومبدعاً وإنساناً. وفارساً للثقافة المصرية.