مروة هاشم تؤكد وجود محاولات لتهميش دور الترجمة والمترجم

المترجمة المصرية ترى أن المشهد الثقافي العربي لا يزال يبحث عن موقعه لدى المواطن العربي.


لا توجد نقابة للمترجمين في مصر مثل المهن الأخرى التي لديها نقابات


النهوض بحركة الترجمة ودعم المترجمين يحتاج إلى المزيد من المشروعات والمبادرات الوطنية الرائدة

أحبت اللغة الإنجليزية وتفوقت فيها بمختلف المراحل التعليمية ما قبل الجامعية حتى إذا التحقت بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة القاهرة، بدأت اكتشاف مجال الترجمة وما ينطوي عليه من تحديات مثيرة تتعلق بنقل النص من لغة أجنبية إلى العربية، لأن عملية الترجمة ليست قاصرة على مجرد نقل معاني كلمات النص وإنما تشمل أيضا ترجمة السياق الثقافي واختيار الألفاظ والعبارات التي تعبر بصدق عن وجهة نظر المؤلف. ومن ثم استكملت دراستها للترجمة في الجامعة الأميركية بالقاهرة، وبدأت رحلتها في عالم الترجمة. 
إنها المترجمة والكاتبة مروة هاشم عضو لجنة الترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة. التي قدمت عددا من الأعمال المهمة تعاونت فيها مع مشروع "كلمة" بهيئة أبوظبي للثقافة والسياحة، منها المجموعة القصصية "ترجمان الأوجاع" و"الحلقة المفقودة" و"ظلال الاستهلاك" و"اثنا عشر عاما من العبودية" و"التطريز في الهند وباكستان" و"الكيمونو".
وكذلك نشرت أخيرا طبعة محدثة من كتاب "عبودية الكراكيب" مع المركز القومي للترجمة في مصر بعد أن صدرت الطبعة الأولى مع دار نشر شرقيات في عام 2004 وكان بمثابة جواز مرور لها في عالم الترجمة والصحافة أيضاً حيث لاقي رواجا كبيراً وتناولته أقلام كبار الكتاب بالتحليل. 
وفي حوارنا معها أكدت مروة هاشم أن التحديات التي تواجهها الترجمة كثيرة ومنها أزمة التمويل والنشر والتوزيع والكلفة الباهظة للحصول على الحقوق من دور النشر الأجنبية. وقالت إن "المترجم في العالم العربي يعاني معاناة شديدة لنشر أعماله المترجمة، ويضطر في كثير من الأحيان إلى التنازل عن حقوقه المادية، التي تكون متدنية بالأساس في أغلب الأحوال لاسيما إذا كان في بداية حياته المهنية، من أجل الحفاظ على حقوقه الأدبية إذا ما وافقت إحدى دور النشر على نشر أعماله. 
وعلاوة على ذلك، يواجه المترجم في بعض الأحيان إشكالية في عدم إمكانية التفرغ لمهنة الترجمة، وذلك بسبب ندرة المشروعات الكبري التي تعنى برعاية المترجمين وتنمية قدراتهم. وعلى الرغم من أهمية مهنة الترجمة فإنه حتى الآن لا توجد نقابة للمترجمين في مصر مثل المهن الأخرى التي لديها نقابات تضع لها المبادىء الأخلاقية ومواثيق الشرف وتحافظ في الوقت نفسه على حقوق أعضائها، خاصة أن العديد من غير المتخصصين يمارسون مهنة الترجمة وتستعين بهم  مكاتب وشركات الترجمة الخاصة التي تهتم بالكم بغض النظر عن مستوى الترجمة، وبالتالي انخفضت أسعار الترجمة في مصر مقارنة بالخليج على سبيل المثال، الخلاصة أنه لا يوجد ضوابط لممارسة المهنة وهذا ينعكس بالسلب على المترجم المؤهل جيداً.  
ورأت هاشم أن النهوض بحركة الترجمة ودعم المترجمين يحتاج إلى المزيد من المشروعات والمبادرات الوطنية الرائدة مثل المركز القومي للترجمة في مصر ومشروع "كلمة" للترجمة في أبوظبي، وثمة حاجة أيضا إلى إدراك أهمية دور المترجم الذي لا يقل عن دور المؤلف، ومن الأمور الشائعة لدى الكثير من دور النشر تجاهل وضع اسم المترجم على غلاف العمل أو التعامل معه باعتباره أن دوره ثانوي رغم المجهود الشاق الذي يبذله المترجم من أجل نقل أفكار المؤلف. 
وربما يكون إنشاء نقابة للمترجمين والتعامل مع الترجمة باعتبارها مهنة مثل غيرها هو السبيل لبداية حل بعض المشكلات التي يواجهها المترجمون، وهذا لن يحدث من دون توافر إرادة حقيقية لدى المؤسسات المعنية بالترجمة.      
وشددت على أن المترجم لا بد أن يجيد لغة النص الأصلي واللغة التي يترجم إليها، وأرى أن المترجم يجب أن يتحلى بالصبر والمثابرة في البحث عن المعني الصحيح والدقيق للمفردات والعبارات، وأن يقوم بمراجعة النص بعد ترجمته أكثر من مرة للتأكد من تطابقه مع النص الأصلي والوصول إلى أفضل جودة ممكنة، واعترف أن هذا الأمر يشكل تحدياً في بعض الأوقات نظراً لضيق الوقت الذي تحدده بعض الجهات لترجمة أعمالها. 
أما المعايير المطلوبة لاختيار عمل لترجمته فأعتقد أن أهمها أن يشكل إضافة معرفية مفيدة للقارىء العربي في المنطقة، وألا يكون قد سبق ترجمته لان هذا إهدار لا داعى له، ولعلنا الآن في أشد الحاجة إلى ترجمة الأعمال العلمية والاكتشافات الحديثة والتجارب الاقتصادية الرائدة على مستوى العالم من أجل الاستفادة منها.
وأشارت هاشم إلى أن المترجم مدعو طوعا إلى ترجمة بعض الأعمال الأدبية، كمبادرة منه للإسهام في الشأن الثقافي، وقالت "المترجم إذا لم يتم تكليفه بترجمة عمل بعينه، فهو يقوم بذلك فعلا قبل البحث عن دار نشر توافق على إصدار  العمل سواء كان أدبيا أو في أي مجال آخر، المترجم يترجم طوعا في كثير من الأحيان ويحتاج إلى نوافذ لنشر أعماله، إذا كانت جيدة بالطبع، للمساهمة في الشأن الثقافي، ولكن المترجم لن يكون قادراً على ذلك إلا حينما يتوافر لديه دخل ثابت من عمل آخر أو أن يكون مستقر مادياً".  
ولفتت إلى أن دور النشر الخاصة تسعى وراء الربح من خلال جذب انتباه القارىء بالقضايا التي تشغله، وهذا حقها، وهذه الظواهر السياسية هي جزء من واقع نعيشه في الوقت الراهن ويحتاج فعلا إلى الفهم والتحليل ومعرفة وجهات نظر متعددة فيما تشهده المنطقة العربية من أحداث وتوازنات سياسية وإقليمية لم تكن موجودة من قبل، ولكن مازالت الأعمال الأدبية تحتل القاسم الأكبر جداً من الاهتمام خصوصا لدى الشباب، وهناك اهتمام في الوقت الراهن بالأعمال الأدبية اليابانية والصينية والكورية. 
ونفت هاشم أن تكون الترجمات الأدبية سواء سردية أو شعرية أو نقدية نظرية وتطبيقية لم تعد تحقق رواجا أو حضورا كبيرا في الساحة الثقافية والإبداعية، وقالت "الترجمة الأدبية لا تزال تحقق رواجا كبيرا في الساحة الثقافية وبين القارىء العربي، ويكفي ملاحظة الكم الكبير للأعمال الأدبية المترجمة في معارض الكتب والأسواق ويوجد إقبال على شرائها، وهو ما يدفع دور النشر إلى ترجمة المزيد منها، رغم أنها ليست كلها ترجمات جيدة من وجهة نظري، ولكنها تحقق رواجا بين القراء. 
وأكدت أن الترجمة جزء أصيل من الحركة الثقافية فلاشك أن أزمة الثقافة عامة تنعكس على مجال الترجمة، والأزمة هنا ليست في مدى الرواج لدى القارىء؛ فثمة إقبال شديد على الروايات المترجمة رغم رداءة الترجمة في بعض الأحيان، وإنما الأزمة في جودة الترجمة وقلة الاهتمام بترجمة الكتب العلمية والاكتشافات الحديثة والأهم من ذلك ضعف التمويل. 
واللافت للنظر أن القارىء الآن يتجه أكثر للأعمال المترجمة لضعف مستوى المؤلفات من حيث القصة والحبكة واللغة، وحتى إذا كانت الترجمة رديئة فإن القارىء يستمتع على الأقل بالقصة في حد ذاتها. ويمكنني القول إن الترجمة كمهنة تتجاوز مدى استقبال القارىء العادي لها أو المشهد الثقافي؛ فالترجمة كمهنة بعيداً عن الثقافة لا يمكن الاستغناء عنها في المعاملات الرسمية والمؤسسات الحكومية والدوائر القانونية وغيرها. 
وأضافت هاشم أن الترجمة هي الجسر الذي لا يمكن الاستغناء عنه أبدا في عملية التواصل الثقافي بين الشرق والغرب، إنها أداة التواصل ولذلك يجب دعم حركة الترجمة بكل الإمكانات المتاحة، وما تشهده الساحة الإقليمية الآن يزيد من أهمية الترجمة من أجل فهم الآخر واستشراف المستقبل، وحاليا تهتم بعض مراكز الترجمة العربية والمراكز البحثية العربية بترجمة التحليلات السياسية ذات الصلة وإقامة فاعليات مع مراكز دولية لتبادل وجهات النظر، ولعل المزيد من التعاون والتضافر بين مراكز الترجمة العربية يمكن أن يقود إلى تحقيق نهضة حقيقية بحركة الترجمة بشكل عام. 
وبالفعل توجد مؤسسات أدركت أهمية التواصل بين الحضارات وخصصت لها برامج خاصة يتم تنفيذها ومنها مشروع "كلمة" للترجمة في أبوظبي وهو مشروع رائد حقق الكثير من الإنجازات في فترة وجيزة، وأتمنى بالطبع زيادة مثل هذه المبادرات على المستوى العربي لتفعيل التواصل الثقافي بين الحضارات.
وختمت أن المشهد الثقافي العربي لا يزال يبحث عن موقعه لدى المواطن العربي في ظل التحولات السياسية الجذرية التي تشهدها المنطقة ككل، والترجمة موجودة ضمن هذا المشهد الثقافي رغم المحاولات المستمرة لتهميش دورها ودور المترجم.