نجيب محفوظ من رف إلى رف

الحصول على جائزة نوبل هل هو الجائزة التشجيعية ليمضي الكاتب في طريقه؟ أم هي الجائزة التقديرية لما أنجز من أعمال، ولما أحدث من أثر في بيئته وخارج بيئته؟


ألفريد فرج: أدب نجيب محفوظ ينتمي إلى الواقعية وفيه تصوير دقيق للحياة المصرية، لا يغفل تفاصيل البيئة المحلية


"العوامة ذات الجوزة" هي الشخصية الرئيسية في رواية "ثرثرة فوق النيل"

هذا كلام جميل ومبشر من شخصية مثقفة ومن مبدع مرموق مثل الأستاذ ألفريد فرج، ولكنني أتساءل: هل جائزة نوبل هي التي تنقل أعمال كاتب من رف إلى رف؟ من المحلية إلى العالمية؟ من الظهور العابر إلى الوجود الباقي؟ أم أن الأعمال في حد ذاتها هي التي تنتقل حسب قيمتها وتأثيرها من مجتمع محدود إلى عالم واسع الفضاء بحسب قدرة الناس على الاستمتاع والتلذذ؟
أريد أن أقول هل الحصول على جائزة نوبل هو الجائزة التشجيعية ليمضي الكاتب في طريقه؟ أم هي الجائزة التقديرية لما أنجز من أعمال، ولما أحدث من أثر في بيئته وخارج بيئته بحيث استحق أن يكون عالميًا فنال الجائزة؟ 
والذين أعطوا نجيب محفوظ جائزة نوبل قالوا إن أعماله ومنها كذا، وكذا، وكذا فيها من التجارب الإنسانية والمواقف ما يجدر أن يكون جديرًا بالحصول على أرقى المراتب في الأدب. 
وعلى أية حال فهذا ليس اختلافًا مع ألفريد فرج بقدر ما هو مناقشة لقيمة الجائزة، أي جائزة، وفضلها عل الكتاب. 
فمما لا شك فيه أن نجيب محفوظ كان محظوظًا بالجائزة، ولا شك أن الجائزة أسعدته بقدر ما أعطى للفن وللأدب من جهد وعرق وكفاح.
وفي الأدب العربي الكثيرون الذين بذلوا الجهد والعرق والكفاح وأنتجوا الإنتاج الرفيع، ومنهم الفريد فرج نفسه الذي قدم الكثير وجنى القليل، وما أقصده ليس المكسب المادي ولكن القيمة التي نستفيدها والتي حرمنا أنفسنا من الاستفادة بها بسبب التقصير أو القصور أو الانشغال بكل ما هو يومي ولحظي ووقتي عن كل ما هو نافع ومفيد ومؤثر.

في رواية "ثرثرة فوق النيل" تختلط الأوهام بالتهويمات والسخرية من الواقع بالتندر بالذات، والحوار يقوم على ما يعرف باسم الفكاهة السوداء والتشويق وإصابة الشعارات السياسية والقيم الاجتماعية التقليدية

قبل نحو ثلاثين عامًا، وبعد حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الآداب 1988 تناول الكاتب المسرحي البارز ألفريد فرج أعماله بالتحليل بأسلوب ممتع لفت النظر من خلاله إلى الأثر الذي تحدثه جائزة نوبل في الفائز بها، فقال: "بحصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل ستنتقل شخصياته الروائية الرائعة من المكتبة العربية، ومن السينما المصرية، وشاشات التليفزيون إلى الأضواء العالمية، وسيتعرف الناس في أربعة أركان الأرض إلى "سي السيد - بين القصرين"، و"سعيد مهران - اللص والكلاب"، و"عيسى الدباغ - السمان والخريف"، و"محجوب عبدالدايم - القاهرة الجديدة"، و"صابر سيد الرحيمي - الطريق"، و"نفيسة كامل - بداية ونهاية"، و"حميدة - زقاق المدق".
ستنضم هذه الشخصيات المؤثرة إلى المكتبة العالمية الحافلة بالشخصيات الخالدة المؤثرة "آنا كارنينا - تولستوي"، و"الملك لير- شكسبير"، و"أوليفر تويست - شارلز ديكنز"، و"راسكولينيكوف- دستويفسكي"، و"دكتور زيفاجو- باسترناك".
وبعد أن نجح نجيب محفوظ في إثراء الوجدان والفكر والتجربة لقراء العربية ستطرق شخصيته أبواب الفكر والوجدان في العالم كله لتضيف إلى الفكر والوجدان والتجربة لكل قارئ في العالم، ولكل عشاق القصص اللمسات المؤثرة لهذه الشخصيات الروائية الرائعة.
وقد قرأت لألفريد فرج قوله إن أدب نجيب محفوظ ينتمي إلى الواقعية وفيه تصوير دقيق للحياة المصرية، لا يغفل التفاصيل للبيئة المحلية، وربما يصبح هذا – على خلاف الرأي الشائع – هو سبب الجاذبية لذلك الأدب ومصدر سحره لما لهذا الأسلوب الواقعي، ولما لهذه البيئة التي تجري عليها الأحداث الروائية من غرابة وطرافة لم يعهدها القارئ الأوروبي. وبهذه الواقعية التفصيلية يرسم نجيب محفوظ شخصياته بدقة، فكأنها حية تتحدث للقراء بذاتها وتتحدث إليهم من صميم ذاتها، فمن هم شخصيات نجيب محفوظ الروائية؟ 
1-     "سي السيد": ينتمي السيد أحمد عبدالجواد إلى شريحة اجتماعية كانت هي الشريحة القائدة للمجتمع المصري في أوائل القرن العشرين، وقبل الاستقلال؛ فهو تاجر ومن أصحاب الوكالات من مساتير الناس، نموذجي ففي صرامته واستبداده الأبوي بالزوجة والأولاد. لا تخاطبه زوجته إلا بالاسم مسبوقًا باللقب، فهو عندها دائمًا "سي السيد"... ويتميز الرجل بالاستقامة والجدية في معاملاته الاجتماعية والتجارية.. فإذا أقبل الليل أسلم أمسياته للحظ والطرب و.. و... دون أن يحس بالتناقض بين حكمه الجاد لأسرته، وفروسيته ومجونه ساعات الفرفشة في صحبة "العالمة زبيدة" ثم "سلطانة" ثم "زنوبة".
2-     "سعيد مهران": ومما يذكره عن شخصية سعيد مهران، بطل "اللص والكلاب"، أنه طريد مطارَد وفي الوقت ذاته يطارد الخيانة، هو لص خانه أقرب معاونيه، فوشى به للشرطة بالتواطئ مع زوجته التي تزوج بها بعد أن طلقت "سعيد"، وبذلك احتضن ابنته في بيت الخيانة، ولكن الأقدار كانت تدخر لسعيد مهران أن يكتشف خيانة أعظم، تلك هي خيانة الصحفي المثقف رؤوف علوان، ساكن بيت الطلبة أثناء دراسته بالحقوق. البيت الذي كان سعيد مهران، ابن البواب، وعندما ارتكب سعيد أولى سرقاته الصغيرة دافع عنه رؤوف علوان بدعوى أن سرقة اللصوص ليست سرقة، وإنما استرداد حقوق. وبهذه المفاهيم دخل سعيد مهران السجن وخرج منه وقد قرر الانتقام من الخونة جميعًا.. الزوجة، ومساعده ورؤوف علوان، وكل من ساعده على السير في طريقه، ثم تنكر له إلى أن كانت  النهاية المأساوية بقتل الأبرياء، ثم قتل سعيد مهران ذاته.

Najib Mahfouz
في متحف نجيب محفوظ

3-     "نفيسة كامل" في بداية ونهاية: ابنة الأسرة الفقيرة المنكوبة العاطلة. مات أبوها ففقدت الأسرة عائلها، وبدأ الإخوة ينصرفون كل إلى حاله.. الأخ الأكبر "حسن" ترك المدرسة وتنقل بين عمل وآخر حتى انتهى به المطاف فتوة وتاجر مخدرات في حي الدعارة، و"حسين" اكتفى بالشهادة المتوسطة والتحق بعمل في خارج القاهرة وترك الأسرة لينقذ نفسه، و"حسنين" الطموح واصل دراسته بجهد أخته التي احترفت مهنة الخياطة لتدبر لأخيها حاجاته البسيطة، بينما كانت الام تبيع أثاث بيتها؛ قطعة قطعة لتدبر أقل ما يحتاجه الناس للحياة.
 في هذا الجو القاسي الذي لا مستقبل له تضيع "نفيسة" بوعود كاذبة من ابن البقال الذي أغراه فقرها وأغواها رقيق كلامه فسقطت معه آملة أن يفي بعهده بالزواج منها، ولكن.. هيهات. فقد أخذ منها ما يريده، وتركها لأحزانها لا تجرؤ على البوح، فلم تجد إلا ذلك الطريق المخزي لتسير فيه حتى يُلقى القبض عليها في الوقت الذي كان أخوها الصغير قد بدأ يحقق طموحه بعد أن تخرج من الكلية الحربية، وصار ضابطًا، فتتعارض أحلامه مع واقعها فلا تجد مفرًا إلا الذهاب بفضيحتها تستر بموتها سر العائلة، ويبقى "حسنين" الذي يرقص على جثة أخته.
 وهكذا وصف ألفريد فرج شخصيات محفوظ في "الطريق": صابر سيد سيد الرحيمي، الباحث عن أبيه الذي لا يعرفه، ويمضي حياته دون أن يرى بارقة أمل، خاصة وأنه لم يتهيا في الحياة للحياة، فلم تُعَلِمُه أمه في مدرسة، أو في حرفة، وإنما عاش مدللًا لأمه سيئة السمعة إلى أن سقطت واحتوتها القضبان، وقبل أن تختفي عن حياته أخبرته أن والده شخصية مهمة، بإمكانه أن يساعده على الاستمرار بعد سجن أمه، فيسقط الفتى ضحية البحث عن شيء لا وجود له إلا في رأسه، وينتهي بارتكاب جريمة واللحاق بأمه في السجن.
وتستمر أعمال نجيب محفوظ الواقعية في "زقاق المدق" مع شخصية "حميدة" التي لم تؤهل أيضًا لأي عمل ينفع مستقبلها، فلا هي التحقت بمدرسة ولا تعلمت مهنة أو حرفة، فكان مصيرها الطبيعي أن تسقط في الغواية، وتخرج من "الزقاق" إلى الضياع والموت.
وتمضي رحلة نجيب محفوظ في الأعمال التي تعد مجددة في فن القصة والرواية. ويقول ألفريد فرج: رواية "ثرثرة فوق النيل" من رواياته المثيرة بأسلوبها الفريد، فهي لا تعدو أن تكون تسجيلًا لجلسات عديدة يجتمع فيها جماعة من الأصدقاء في عوامة على النيل يثرثرون. ولو سألتني ما هي الشخصية الرئيسية لهذه الرواية فلن أختار أحدًا من أبطالها، ولكني سأختار الموقع "العوامة ذات الجوزة" فهي الشخصية الرئيسية في الرواية.
يقترن الحوار في هذه الرواية بالخيال، حيث تختلط الأوهام بالتهويمات والسخرية من الواقع بالتندر بالذات، والحوار يقوم على ما يعرف باسم الفكاهة السوداء والتشويق وإصابة الشعارات السياسية والقيم الاجتماعية التقليدية إلى جانب التلميحات في جو موشى بالأحلام التي تقترن بالمرارة، وهي إحدى الصور التي تعبر عن شريحة اجتماعية موجودة في المجتمع.