نوال السعداوي خارج الاُنثويّة المصطنعة والذكوريّة المتنطّعة

الكاتبة المصرية الراحلة شكّلت بعدا واقعيّا لفكرة النسويّة في العالم العربي عبر ثبات وانتماء ذاتي وميداني.


السعداوي أبعدت رؤية النشاط النسوي عن المزاجيّة والتنطّع السياسي والمجتمعي


من أقوالها: أنا لا أفصل بين تحرير المرأة وتحرير الوطن

توفّيت الأحد 21 مارس/آذار 2021 بالعاصمة المصريّة "القاهرة" الكاتبة نوال السعداوي عن سنّ تناهز التسعين عاما، بعد حياة زاخرة بالعطاء والمعارك والنضال والفكر. مسيرة حافلة لامرأة عربيّة طبعت حضورها كعنوان واضح في فضاء المعرفة والنضال النسوي والفكري. صبغت لنفسها لونا خاصّا جعلها مائزة عن عديد التجارب والرؤى الاخرى المتشابهة.
ولدت نوال السعداوي في 31 أكتوبر/تشرين الأول 1931 بقرية "كفر طلحة" التابعة المحافظة "القليوبية" بمصر، من صلب عائلة محافظة، وكان والدها موظّفا حكوميّا بوزارة المعارف (التربية والتعليم بعد ذلك). وسط هذا الإطار نمت فسيلة نوال الفكريّة، باعتبار أنّ والدها كان مشجّعا لها على الدّراسة، مثلها مثل بقيّة أشقائها التّسع. إلى جانب ذلك شكّل والدها اللّبنة الأولى للحسّ النضالي لديها، كان أحد الثائرين على سلطة الإحتلال البريطاني لمصر والسودان وشارك في ثورة 1919، تعرّض نتيجة لذلك إلى جملة من العقوبات على المستوى المهني. 
من هذا المدّ العائلي الواقعي استمدّت نوال السعداوي اللّبنات الأولى لحريّة التعبير والإنتماء للذات بغضّ الطّرف عن العواقب. كان لوفاة والدها، وبعد بفترة قصيرة وفاة أمّها، الأثر الكبير في نفسيّتها. إلّا أن الوقت لم يمهلها للحزن، وسرعان ما وجدت نفسها أمام مسؤوليّة إعالة أشقّائها. تحمّلت المسؤوليّة بنجاح ولم تنس تحصيلها الذاتي في العلم والنضال. درست نوال السعداوي الطب البشري في جامعة القاهرة وتخرجت منها عام 1955، وتخصصت في الأمراض الصدرية. بدأت حياتها المهنية كطبيبة صدرية في مستشفى القصر العيني؛ وبدأ بعدها اهتمامها بالطب النفسي وجملة مشاغلها الفكريّة والنضاليّة.

نوال السعداوي
من أعمال الكاتبة

شكّلت نوال السعداوي بعدا واقعيّا لفكرة النسويّة في العالم العربي عبر ثبات وانتماء ذاتي وميداني، أبعدت نوال رؤية النشاط النسوي عن المزاجيّة والتنطّع السياسي والمجتمعي الوقتي، وربطت تحرير المرأة بتحرير الإنسان والوطن ككلّ، "أنا لا أفصل بين تحرير المرأة وتحرير الوطن"
وقال عنها جابر عصفور: "أوّل سيّدة مصريّة تقتحم بجرأة الكتابة النسويّة، ليس كونها غاية في حدّ ذاتها، إنّما كونها وسيلة لتحرير المرأة والرجل على السواء."
هذه الرؤية المتكاملة للمرأة من منظور التغيير المجتمعي بكل أبعاده، جاء نتيجة للإلتصاق الواقعي بحقيقة المجتمع؛ بداية عبر الصعوبات الذاتيّة في حياتها، وخاصة بعد وفاة والدها، وبعدها عبر عملها. كان لعمل نوال السعداوي كطبيبة، مدخلا مهمّا لاكتشاف وتبيّن الوضعية النظريّة للنساء وما يعانينهنّ من تعسّف وعنف أسري وغيره. وخلال مشوارها الطبي، بين العمل الميداني والإداري صلب وزارة الصحة، لعبت أدوارا مهمّة من ناحية التثقيف ونشر المعرفة الصحيّة بين النساء. هذا المجهود المهني انعكس في كتابات نوال السعداوي واهتماماتها، حيث أسست جمعية التربية الصحيّة وجمعيّة للكاتبات المصريات. عملت فترة كرئيس تحرير مجلة الصحة بالقاهرة، ومحرّرة في مجلة الجمعيّة الطبيّة.
المنجز الواقعي للسعداوي تجسّد أيضا في كتاباتها، وهو ما أكسبها صبغة الصدق والتأثير؛ حيث أصدرت عام 1957 مجموعتها القصصية الأولى بعنوان "تعلّمت الحب"، اهتمّت عبرها بالحديث عن التّبعات التي عاشتها كمؤلفة وأيضا كطبيبة، وشرحت أن المجتمع في حاجة أكيدة للحب بصورته الشاملة "كلما أمعنت النظر في مشاكل حياتنا زدت اقتناعا بأننا بحاجة إلى مزيد من المحبة والرحمة، فالحب يجعل الحياة مقبولة بما يثيره فينا من أحاسيس، والرحمة تلطف الحياة برقتها وخيرها". 
في أولى تجاربها الروائيّة "مذكّرات طبيبة" اهتمّت بمشوارها الطبّي ومختلف وقائعه، وفي إصدارها "مذكّراتي في سجن النساء" اهتمام بالحديث عن تجربتها السجنيّة خلال فترة حكم السادات، سبق ذلك لسنوات عملها على سجينة واقعيّة وكانت بطولة روايتها "إمرأة تحت درجة الصفر". في منجزها "الوجه العاري للمرأة العربيّة" كشفت فيه عن تعرّضها للختان في سنّ السادسة.
يتواتر هذا النسق الواقعي في كتابات نوال السعداوي المتعدّدة بشكل يطول السياق لشرحه. شكّل هذا المعطى عصارة تشبّث الطبيبة بخياراتها وتحويلها إلى خطوات واثقة في مسار بناء نطاق نسوي؛ مهاجم ومضادد بعيد عن لحظة الدفاع الراكدة أو بهرجة اللقاءات الفئويّة. مثّلت أطر إشتغالها استثناء في سياق المجال العربي من حيث المضامين والرهان الواقعي. أصبح كتابها "المرأة والجميع" الذي صدر سنة 1972 نصّا تأسيسيّا للموجة النسويّة الثانية إلى جانب المساهمة والتأسيس عبر انشطتها في عدة اُطر؛ منها تأسيس جمعية تضامن المرأة العربية عام 1982 كما ساعدت في تأسيس المؤسسة العربية لحقوق الإنسان، وكانت عضوة بالمجلس للأعلى الفنون والعلوم الإجتماعيّة بالقاهرة، ومستشارة للأمم المتحدة في برنامج المرأة في أفريقيا والشرق الأوسط.
بلغت سيرة نوال السعداوي تقريبا 40 إصدارا فكريّا وأدبيّا، وقعت ترجمة أعمالها لأكثر من عشرين لغة؛ وهو ما فتح حضورها على العالم كرائدة واقعيّة للتأسيس والنضال النسوي والحقوقي عموما. تحصّلت على عديد الجوائز العالميّة والشهادات الفخرية من أكثر من جامعة عبر العالم، كما وقع ترشيحها ثلاث مرّات لجائزة نوبل، وكانت محاضرة في أكثر من ندوة عبر العالم. زخم كبير ونشاط ميداني فعلي. 
خطوات السعداوي لم تكن مفروشة بالورود أو بأموال الدعم الخارجي. كانت لذاتها، ومن ذاتها انفتحت على العالم. هذا التوجّه شكّل مصدر إيذاء لها في مختلف المستويات - خاصة السياسيّة والدينيّة - نتيجة هذا الامتداد الواقعي لتوجّهها ومضادتها للراكد، هجوما لا دفاعا.
نوال السعداوي كانت من الرافضات لحكم الحزب الواحد فترة السادات، وسجنت مدّة ثلاثة أشهر بسجن القناطر بعد صدور كتاب "المرأة والجنس". كما وقع إيقافها عن العمل بوزارة الصحّة، وإيقاف إصدار مجلّتها "المواجهة". وكانت مؤمنة بصدق توجّهها وخطورة المشي فيه "«لقد أصبح الخطر جزءاً من حياتي منذ أن رفعت القلم وكتبت، ولا يوجد ما هو أخطر من الحقيقة في عالم مملوء بالكذب».

نوال السعداوي
ستبقى حاضرة كمؤسّسة دائمة للمعنى والنضال الواقعي

رأي نوال السعداوي حول ارتباط السّلطة الحاكمة بالرجعيّة الدينيّة صلب النظام الرأسمالي، أجّج حولها العداء من كلّ الجهات؛ في الداخل اتهمت بازدراء الأديان والإلحاد وغيرها من التهم، وطولب سحب الجنسيّة منها، ورُفعت ضدّها قضية تفريق عن زوجها. منعت لمدّة طويلة من الندوات والنشاط، ومن معرض الكتاب بالقاهرة. رفعت دعوات لقتلها من قبل مجموعات دينيّة كما صودرت عديد كتبها. في الخارج أيضا، لم يكن لها حظوة لدى الأوساط السياسيّة. باعتبار رأيها المضاد للتوجّه الغربي. كانت رافضة لسياسات الولايات المتّحدة الأميركيّة في المنطقة، واعتبرته مجرد صراع حول النفط وخيرات الشعوب. 
كلّ هذه العوارض لم تثن السعداوي عن نضالها وتواصل جهدها لعدّة عقود. كانت في الواقع اليومي للراهن المصري والعربي عموما. كانت من الحاضرات في الشّارع خلال ثورة يناير، وقبلها تقدّمت للإنتخابات سنة 2005 ومنعت نتيجة قيود الترشّح.
الكتابة عن نوال السعداوي ليست توديعا، أو بكاء، أو تمجيدا فجّا لاسم يرتحل. ليس وداع لقامة فكريّة باعتبار أنّ هذا أيضا يناقش. هناك عديد الأسماء يجب نفض الغبار عنها، وتثمين منجزها الفكري. وهي في جلّها من الناحية الأكاديميّة والفكريّة أهمّ بحثا وتفكيكا وحتّى كتابة. 
كما أنّنا لسنا بصدد الاحتفال بمناضلة نسويّة استثنائيّة، باعتبار أنّ كثيرا من الحركات النسويّة تجاوزت طرح نوال السعداوي، وبعض منها صارت تعتبره رجعيّا بامتياز. نهضمها حقّها لو ولجنا حضورها عبر هذه المآلات، لأنّه ينقص من قيمة خطواتها. 
نوال قامة واقعيّة، وهذا ليس سهلا لأنثى في محطّ عربي. كانت أكبر من فلسفة الورقة والقلم، كأنّها مجرّد وسائل لفتح معابر لا أكثر. ما يمكن الإنتباه إليه هو أنّ نوال السعداوي حملت فكرتها إلى رصيف الواقع، ومازجته بالصراع في أتون متداخلة، أفكارها كانت كظلّها وأكثر ثباتا. المتفحّص بصيرة سيرى مدى الاستثناء الذي حمله مشروع نوال في المستوى الواقعي بعيدا عن النخبويّة. 

nawal
مدارات للنقاش داخل المجتمع

خاضت المعركة ميدانيّا في إطار إدمان وثوقيّ لقناعاتها. هنا تكمن جدارتها، في سدّ هذا الفراغ الميداني الذي لا يقدر عليه غالبية المثقّفين ذكورا/إناثا، كما ذكرت لنا أن نحصي ما شئنا من الأسماء، أكثر وجاهة فكريّة وبحثيّة منها، ولكن لا يمكن مقارنتها في نوعيّة تأثيرها وسعيها الوثوقي في خلق معابر شعبية وميدانيّة وفتح نقاش إيجابي/سلبي أكثر منها. 
في ناحية ما لامستْ دور المثقف العضوي الذي نحت فيه غرامشي. واجهتْ بوجه مكشوف وبعيدا عن الإزدواجيّة والمؤاربة، "إنّ شرف الإنسان رجلا أو امرأة هو الصّدق؛ صدق التفكير وصدق الإحساس وصدق الأفعال. إنّ الإنسان الشريف هو الذّي لا يعيش حياة مزدوجة؛ واحدة في العلانيّة وأخرى في الخفاء."
وساهمت في خلق تيّار انتمائي ذاتيّ لا يهادن، ولا يتراجع، من هذا الطّرح شكّلت مدارا للتفاعل وفتح نار في أحايين، ووضعت مدارات للنقاش داخل المجتمع، اجتمعت حوله كلّ فئات المجتمع. ولئن كان في بعد منه عنيف، وفي إطار ردّات فعل، خاصّة في الجانب الديني، إلّا أنّ كل ذلك ساهم في خلق حيويّة عبر إلقاء الحجر في الأفكار الرائدة. 
نوال السعداوي رفعت سقف حضورها عاليا عبر الإدمان الذاتي لقناعاتها والذي مكّنها من المواصلة لسنوات طويلة. خلال هذه الرحلة شكّلت نواة نسويّة، وصنعت وعيا نسويّا تشهد به كثيرات، وكنّ بنات واثقات بهذا الرهان الواقعي المناضل. منها أقمن شارات حضورهنّ وسعين في إطار مدرسة نوال السعداوي، التي ستبقى حاضرة كمؤسّسة دائمة للمعنى والنضال الواقعي.
كاتب من تونس