راجنر جوناسن وثلاثية هلدا هرمانزدوتير: تراجيديا المرأة غير المرئية
في قلب الجليد الأيسلندي، حيث تمتدّ الليالي طويلاً وتختفي الشمس عن الأفق، يقيم راجنر جوناسن عالم ثلاثيته البوليسية "الظلام"، "الجزيرة"، "الضباب". هذا العالم ليس في شوارع تعجّ بالإثارة والضجيج، بل في العزلات النفسية، وفي المساحات البيضاء التي تبتلع الأسرار دون أن تثرثر. ومن بين هذه العزلة، تنهض شخصية هلدا هرمانزدوتير، امرأة اقتربت من نهاية حياتها المهنية، لكنها على الرغم من ذلك لم تبدأ فهم حياتها الشخصية إلا الآن، وهي تقف على حافة النهاية.
تبدأ الثلاثية، التي ترجمتها إيمان محمد نجيب وصدرت عن دار صفصافة، برواية "الظلام"، التي هي في الحقيقة نهاية الرحلة. تُستدعى هلدا، وهي محققة على مشارف التقاعد، لمراجعة قضية مهملة: العثور على جثة فتاة روسية في كهف شاطئ صخري بالقرب من المطار منذ سنوات. تُعطى لها القضية على سبيل المجاملة، كأنها هدية توديع. لكن رئيسها في العمل لا يترك الهدايا تمر بسهولة. ومنذ الصفحات الأولى، يدرك القارئ أن هذه القضية ستسحب هلدا ـ ومعها القارئ ـ إلى ما هو أعمق من الجريمة: إلى اكتشاف مؤلم لخيانات مؤسسية، وأسرار شخصية طُمست تحت الجليد، وألم أمومي دفنته البطلة منذ زمن بعيد.
في هذه الرواية، هلدا امرأة منهكة، مهمّشة من رؤسائها، وحيدة، لا تنتظر من العالم شيئًا، لكنها في الوقت نفسه لا تستسلم. هناك دومًا عناد داخلي يحرّكها، كأنه احتجاج صامت على كل ما خسرته. بينما تتقدم في التحقيق، يكشف جوناسن بشيء من القسوة أن "القضية" ليست إلا مرآة لخذلان هلدا الطويل: خذلان الحياة، وخذلان الأمومة، وخذلان المؤسسة.
ثم يعود بنا الراوي إلى الوراء، إلى منتصف حياة هلدا المهنية، في رواية "الجزيرة". هناك نجدها أصغر سنًّا، أكثر غضبًا، وإن لم تكن أقل وحدة. تُدعى هنا للتحقيق في مقتل شاب في جزيرة إليكاي المعزولة، حيث كان قبل عشر سنوات مقتل امرأة شابة في بيت منعزل في المضايق الغربية، وهي القضية التي تسببت في ترقية زميلها حتى أصبح رئيسًا عليها.
الجزيرة ـ كفضاء مكاني ـ تصبح استعارة لذهن مغلق: أربعة أصدقاء قدماء يزورونها، لكن ثلاثة فقط يعودون. يتبادل الأربعة في العزلة أسرارهم التي تنتهي بمقتل أحدهم. الروابط العائلية المشوّهة تحولت إلى لُغمٍ ينتظر الانفجار. تجمع هلدا خلال هذه القضية بين مقتل الفتاة الذي وقع قبل عشرة أعوام وبين مقتل الصديق الرابع، فالحقيقة من وجهة نظرها لا تُبنى من الأدلة وحدها، بل من معرفة هشاشة البشر، ومن قراءة ما لم يُقل.
في هذه الرواية، يُظهر جوناسن كيف أن التحقيق ليس مهنة تقنية بقدر ما هو توغّل في البنية الخفية للعلاقات: في الطفولة، في الرغبات، وفي الكتمان. هنا تبدأ هلدا شيئًا فشيئًا في التشكل ككائن لم يُمنح حق الكلام، لا في الطفولة، ولا في الشباب، ولا في العمل. وفي لحظة ذروة، لا تتعلق بالجريمة بل بما تُدركه هلدا عن نفسها بعد أن توفي زوجها وابنتها وأمها، تبدأ الشخصية في اتخاذ شكلها النهائي: امرأة تعرف جيدًا أن لا أحد سيمنحها العدالة، لكنها ستبحث عنها مع ذلك، بإصرار يشبه الثأر.
وأخيرًا، يصل بنا الكاتب إلى البدايات، في رواية "الضباب"، وهي الجزء الثالث سرديًا، والأول زمنيًا.
هنا تعود هلدا إلى بدايتها كمحققة شابة، لم تُكسر بعد تمامًا، لكنها تشعر منذ اللحظة الأولى أن العالم لا ينوي أن يمنحها فرصة عادلة. القضية تدور في مزرعة نائية، في عزلة شتوية تكاد تكون سردابًا نفسيًّا، حيث الزوجان إينار وإرلا يُقتلان بطريقة غامضة وسط عاصفة ثلجية تحاصر منزلهما في شرق أيسلندا، والقاتل قد يكون أحد من يعيش في هذا الفراغ المغلق. لكن الأهم من الجريمة هو ما يكشفه السياق عن الظروف القاسية التي نشأت فيها هلدا، عن علاقاتها بعائلتها، عن التجاهل العاطفي الذي لحق بها منذ الطفولة، والذي سيتحوّل مع الزمن إلى وحشة دائمة في الروح. هذه الرواية ليست فقط عن التحقيق، بل عن الصدع الأول في حياتها، عن اللحظة التي بدأ فيها الشك يتغلغل في نفسها: هل يمكن لامرأة في هذا العالم ـ في الشرطة، في المجتمع، في العائلة ـ أن تكون مرئية فعلاً؟
هكذا تظهر الثلاثية كيف أن البداية ليست اللحظة التي يبدأ فيها العمل، بل اللحظة التي نشعر فيها بأن لا أحد يرانا. إن ما يصنع قوتها لا يكمن فقط في الحبكات البوليسية المحكمة ـ وهي بالفعل كذلك ـ بل في البناء النفسي العميق لشخصية هلدا. إنها ليست بطلة خارقة، ولا تمتلك حيل المحققين الأسطوريين، لكنها كائن هشّ، عنيد، مليء بالشروخ، يقوده شعور داخلي بالظلم وعدم الانتماء. نحن لا نتتبع فقط قضايا القتل، بل نتتبع تراكمات الألم، والخسارة، والخذلان، والإقصاء، ونتتبع كيف تشكّلت هوية امرأة في نظام اجتماعي قاسٍ وبارد مثل أرضها.
اللافت في بناء الثلاثية أن السرد يسير عكسيًا، ما يضفي بعدًا تأمليًا عميقًا. تبدأ الرواية بهلدا وهي في خريف عمرها، ثم تأخذنا إلى الوراء، كأن الكاتب يطلب منا أن نفهم الموت من أجل أن نفهم الحياة، أن نقرأ النهاية أولاً كي نصدّق أن الألم لم يكن عرضًا بل مسارًا، وأن العزلة لم تكن قرارًا بل حصيلة. هكذا لم يعد البناء العكسي مجرّد حيلة سردية مبتكرة، بل هو اختيار دلالي عميق يغيّر تمامًا طريقة تلقي القارئ للشخصية والحدث، ويمنح النص أبعادًا تأملية ونفسية لا يمكن أن تتحقق بالسرد الخطي التقليدي. فعندما يبدأ جوناسن القصة من نهايتها في رواية "الظلام"، حيث تقف هلدا على أعتاب التقاعد منهكة ومهمّشة، ثم يعيدنا تدريجيًا إلى منتصف مسيرتها في "الجزيرة"، فبداياتها الغضة والمؤلمة في "الضباب"، فإنه لا يبني مصيرًا، بل يُفكّك حاضرًا، يضعنا وجهًا لوجه مع ما كان يجب أن نفهمه منذ البداية: أن كل امرأة تنكسر، كانت يومًا ما قابلة للشفاء، لكن أحدًا لم ينقذها.
هذا البناء يجعل من هلدا شخصية تنكشف تدريجيًا أمام القارئ، لكن ليس على طريقة التجميع التصاعدي، بل من خلال عملية "تجريد" عكسي، حيث نتعرف أولًا على المرأة الصلبة، المنهكة، التي تبدو متبلدة أحيانًا، ثم نبدأ في اكتشاف الطبقات الأعمق من إنسانيتها، حساسيتها، جراحها، دوافعها، وماضيها الذي تحمله كعبء لا يُفصح عنه. وبهذا يصبح القارئ شريكًا في التفسير لا في التلقي، مطالبًا بأن يعيد قراءة كل فعل وكل ردّة فعل صدرت من هلدا في "الظلام" في ضوء ما يكتشفه عنها لاحقًا في "الجزيرة" و"الضباب".
إن السرد العكسي هنا يعيد ترتيب الأولويات الشعورية في التلقي؛ فعادة ما يُنتظر من السرد أن يُظهر التحول في الشخصية من نقطة البداية إلى النهاية، لكن هنا، بما أن البداية هي النهاية، فإن التحوّل لا يصبح مجرد نتيجة، بل سؤالًا أخلاقيًا وإنسانيًا: كيف وصلت هلدا إلى هذه النقطة؟ ماذا حدث لها على امتداد الطريق؟ ومتى بالضبط بدأت بالانطفاء؟ في هذا السياق، لا تعود نهاية هلدا مجرد مصير شخصي، بل محصلة اجتماعية ونفسية مركبة، تُفككها الرواية بالتدريج لا لتثير التعاطف، بل لتكشف آليات التآكل البطيء للذات في مجتمعات لا تعترف إلا بما يُرى على السطح.
كما أن هذا البناء يمنح القارئ نوعًا من الحميمية الخاصة تجاه الشخصية. إذ عندما نقرأ "الضباب" بعد أن عرفنا هلدا في "الظلام"، نشعر أننا نعود لنرافقها في طفولتها المهنية وجرحها الشخصي الأول، فنفهم صمتها، وعزلتها، وربما حتى قسوتها، بوصفها ليست صفاتٍ بل نتائج. وهنا تكمن قوة السرد العكسي: أنه ينقل مركز الثقل من الجريمة إلى الإنسان، من اللغز إلى الذاكرة، من الحل إلى التفسير.
الزمن هنا لا يتحرك للأمام، بل يعود إلى الوراء كي يقول: لا يمكنك أن تفهم امرأة ما من خلال ما أصبحت عليه، بل من خلال ما خسرته لتصبح كذلك. وهذه ليست فقط رؤية روائية بل موقفٌ فلسفي، يجعل من الشكل السردي نفسه أداة مقاومة ضد التبسيط، وضد الأحكام السريعة، وضد اختزال الفرد في لحظته الأخيرة.
من جانب آخر، تشكّل الثلاثية تأمّلاً عميقًا في تجربة المرأة في مجتمعٍ ذكوري قاسٍ ومؤسساتي بارد، وهي تطرح أبعادًا نسوية غنية، تتجاوز الشكوى السطحية إلى مستويات أكثر تعقيدًا، حيث تتشابك القضايا الجندرية مع السلطة، والعزلة، والتاريخ الشخصي. ففي قلبها يتشكّل وعي نسوي خافت لكنه نافذ، لا يعلو بصوت الخطابة، بل يتغلغل بهدوء في كل تفصيلة من تفاصيل شخصية هلدا. فهي ليست بطلة بمعايير الإثارة أو الأدوار البطولية النمطية، لكنها امرأة تقف وسط عالم يتآمر على إلغائها ببطء، مؤسساتيًّا وشخصيًّا، فتُهمّش داخل عملها رغم كفاءتها، وتُقصى من الملفات المهمة، ويُدفع بها إلى التقاعد لا لبلوغها النهاية بل لأنهم لا يطيقون استمرارها. ذلك التواطؤ الصامت من زملائها الذكور، ذلك الإقصاء المغلف بالمجاملات الباردة، يعكس آليات الإلغاء التي لا تصرخ، بل تنفّذ نفسها ببطء محسوب، كما لو أن كفاءة المرأة تصبح عبئًا كلما تقدمت في العمر.
هلدا لا تصارع فقط كشرطية ومحققة وسط عالم رجالي، بل تصارع لأنوثة لها حق البقاء دون أن تُختزل في أدوارها الاجتماعية التقليدية. فهي أم فقدت ابنتها، لكن المحيط لا يتعامل مع هذا الفقد كجرح إنساني، بل كوصمة، وكدليل على فشلها في أداء "وظيفتها الطبيعية". ومن هذا الجرح الصامت تنبثق طبقة نسوية أكثر تعقيدًا، حيث يتحوّل الألم الخاص إلى معادل رمزي لوضعية كل امرأة تُحاسب على ما فقدته كما لو كان اختيارًا. لا يمنحها المجتمع حق الحزن، ولا تمنحها المؤسسة حق العدالة، وتُترك وحيدة في تقاطع موجع بين الذنب المفروض والخذلان الجماعي.
وتكشف الثلاثية في تنقّلها عبر الزمن عن تطور هذه الشخصية في سياق لم يُصمَّم لاحتضان نساء مثلها. فهي لا تملك دعمًا من أحد، ولا تحتمي بسردية النضال الجماعي، بل تواجه بمفردها كل صور التهميش، بدءًا من نظرة الزملاء، وصولًا إلى حرمانها من الترقي، ومرورًا بالبرود العاطفي الذي يلف حياتها منذ الصغر. ومع كل قضية تتعامل معها، لا تظهر فقط براعتها كمحققة، بل يتكشّف البعد النسوي الأكثر أهمية: مقاومة المحو. مقاومة الاختفاء في مجتمعات تُجبر النساء على الاختفاء دون أن تقول ذلك صراحة.
هلدا لا تطالب بحقوقها، لكنها تعيشها على طريقتها، دون أن تعتذر عن صمتها، عن غضبها، عن قسوتها أحيانًا. إنها نموذج لامرأة لا تسعى إلى أن تُحبّ، بل إلى أن تُحترم، وإن لم تجد الاحترام فهي تواصل السير، لأن البقاء في حد ذاته فعل تمرد. هنا، يصبح السرد العكسي في الثلاثية أكثر من مجرد بناء روائي: إنه دعوة لفهم المرأة من خلال تاريخها، لا من خلال صورتها الراهنة. دعوة إلى أن نقرأ المسكوت عنه، أن نرى الألم الذي لم يُعبَّر عنه، والعزلة التي صارت جلدًا ثانيًا.
كل سطر في هذه الروايات هو تفكيك خفي لآليات السلطة الذكورية، ليس بالصراخ بل بالتعرية، ليس بالمواجهة المباشرة بل بالإلحاح على أن تُسمع أصوات النساء حتى لو لم يتحدثن. ومن خلال هلدا، يُقدم راجنر جوناسن شخصية نسوية ليست بطلة خارقة، ولا شهيدة ضعيفة، بل إنسانة بكل هشاشتها وصلابتها، إنسانة تمثل كل امرأة رفضت أن تُختصر، فاختارت أن تُرى حتى وإن لم يُرد أحد أن يراها.


