رحلة إدغار موران في قلب المجهول بين ' المعرفة ـ الجهل ـ الغموض'

الفيلسوف الفرنسي يقدم تأمّلا عميقا في حدود العقل الإنساني مؤكدًا أن كل معرفة تولّد جهلًا جديدًا وأن الغموض ليس نقيض الفهم بل شرطه داعيا الى فكرٍ متواضع يعترف بأن المجهول هو قلب المعروف، وأن الحكمة الحقيقية تكمن في التعايش مع الغموض لا في إلغائه.

يقدّم الفيلسوف الفرنسي إدغار موران في كتابه "المعرفة ـ الجهل ـ الغموض" عملًا تأمليًا بحثا عن معنى المعرفة وحدودها، وعن العلاقة المعقّدة بين العلم والجهل، وبين الفهم والغموض. الكتاب، الذي ترجمه لطفي السيد منصور وصدر عن دار الرافدين أخيرا، يمكن اعتباره خلاصة فكرية لمسيرة فيلسوف ممتدة لأكثر من سبعين عامًا، حيث يجمع فيه بين الفلسفة والعلوم الطبيعية والأنثروبولوجيا ونظرية المعرفة في نسيجٍ متداخل يهدف إلى إعادة تعريف ما نسميه "العقل" و"الفهم" و"المعرفة".

الكتاب ليس بحثًا في فلسفة العلم فحسب، بل يشكل تجربة فكرية وروحية تدعو إلى النظر بتواضعٍ إلى حدود العقل، وإلى المصالحة بين الإنسان وغموض العالم. حيث لا يمنح القارئ أجوبة جاهزة، بل يذكّره بأن كل إجابة تولّد سؤالًا جديدًا، وأن المعرفة الحقيقية هي تلك التي تبقي باب الدهشة مفتوحًا.

منذ الصفحات الأولى، يعلن موران أن المعرفة لا تُبدد الجهل، بل تكشفه وتوسّعه. فكل توسّع في الفهم يفتح أفقًا جديدًا للمجهول. يقول "كل ما هو واضح، وكل ما هو معروف يصبح دهشةً وغموضًا"، ثم يضيف "لدي شعور قوي بأن ما هو غير مرئي مختبئ في المرئي". هذا الإحساس بالدهشة الكونية يرافق الكتاب كله، إذ يرى موران أن كل وضوحٍ جديد يقود إلى غموضٍ جديد، وأن العقل البشري، مهما بلغ من الدقة، يظل يواجه المجهول بوصفه جزءًا من طبيعته. لذلك لا ينظر إلى الجهل بوصفه عيبًا أو نقصًا، بل مكوّنًا جوهريًا في عملية الفهم ذاتها. فالمعرفة لا تلغي الجهل بل تتعايش معه، والوعي بالجهل هو الوجه الآخر للحكمة.

ينطلق موران من ملاحظة جوهرية: نحن نعيش في عصرٍ تتوسع فيه المعارف العلمية على نحو غير مسبوق، ولكننا في الوقت نفسه نعيش حالة تراجع في الفهم الكلي للعالم "نحن نعيش في مجتمع تتوسع فيه المعرفة، ولكن أيضًا مجتمع تتراجع فيه المعرفة. إن التخصصات العلمية المتزايدة، والكم الهائل من المعلومات المتدفقة، يخلق نوعًا جديدًا من الجهل: جهل التشظي. فالمعرفة الجزئية التي لا تربط بين الظواهر تتحول إلى معرفة جاهلة لأنها تفتقد الرؤية الشمولية".

 يوضح موران هذه المفارقة مؤكدا "سوف نعرف كل شيء عن لا شيء"، في إشارة إلى أن الإنسان المعاصر بات يعرف تفاصيل دقيقة عن أجزاء صغيرة من الواقع، لكنه فقد القدرة على رؤية الكل.

يعتبر موران أن التعليم المعاصر يعلّمنا كيف نفصل لا كيف نربط، وكيف نصنّف لا كيف نفهم، بينما التحديات الكبرى ـ من الأزمات البيئية إلى الاجتماعية ـ تتطلب عقلًا يربط بين المعارف. وهنا يتضح ما يسميه الجهل الجديد، إذ يعلن "الجهل الجديد ينبع من المعرفة نفسها". فكلما تقدم العلم في كشف أسرار الطبيعة، ازداد الغموض. العلم لم يبدد الأسئلة الميتافيزيقية القديمة، بل أحياها في صورة جديدة. فالفيزياء الحديثة تخبرنا أن 96% من الكون يتكوّن من مادة وطاقة مظلمتين لا نعرف طبيعتهما، وأن الزمان والمكان نفسيهما لم يعودا مطلقين. ومن ثم فإن التقدّم العلمي لا يقود إلى يقينٍ مطلق، بل إلى إدراكٍ أعمق بحدود الفهم الإنساني.

لا يكتفي موران بتحليل حدود العلم، بل يذهب أبعد من ذلك إلى مساءلة مفهوم الواقع نفسه. فما هو الواقع؟ هل هو ما نراه ونختبره مباشرة؟ أم أنه بناء عقلي وثقافي تشكّله اللغة والمعرفة والتجربة؟ يستعرض موران آراء الفلاسفة من الشرق والغرب، من فكرة المايا في الفيدية إلى كهف أفلاطون وكانط، ليخلص إلى أن الواقع لا يُدرَك في ذاته بل عبر تمثيلاتنا. إن ما نراه ليس الواقع كما هو، بل صورة يصنعها وعينا، ولذا فإن الواقع عند الإنسان مركّب من عناصر موضوعية وذاتية ورمزية وخيالية في الوقت ذاته. الواقع المادي لا يمكن فصله عن العالم الداخلي للإنسان، لأن العواطف والمشاعر والأحلام هي أيضًا حقائق لا تقل واقعية عن المادة. فالإنسان يعيش في عالم من المعاني بقدر ما يعيش في عالم الأشياء.

ويربط موران بين التجربة الإنسانية والخيال، مؤكدًا أن الخيال ليس وهمًا، بل مكوّن ضروري للحياة. نحن نصنع عالمنا من خلال اللغة والأسطورة والرغبة والخوف، ويوضح "نحن نعيش في عالمٍ مصنوعٍ من اللغة، والأسطورة، والرغبة، والخوف". بهذا المعنى يصبح الواقع ليس معطًى ثابتًا بل بناءً متغيرًا ومفتوحًا على التأويل. ومن ثم لا يمكن الحديث عن حقيقة واحدة بل عن طبقات من الحقائق تتفاعل فيما بينها.

من الإنسان إلى الكون ينتقل موران ليتأمل أصل الوجود ذاته. يبدأ من سؤالٍ بسيطٍ ومستحيل في آن: كيف وُلد الكون؟ يعرض الفرضيات الفيزيائية المعروفة حول الانفجار العظيم، لكنه يبيّن أن كل فرضية تصطدم بحدود العقل البشري. إذا قيل إن الكون وُلد من العدم، فكيف يمكن للعدم أن ينتج شيئًا؟ وإذا قيل إن الفراغ هو أصل المادة، فالفراغ ليس فراغًا بل مملوء بإمكانات. كل إجابة تولّد سؤالًا أعمق. ومن هنا يقرر أن الكون ليس نظامًا خالصًا ولا فوضى خالصة، بل حوار دائم بين النظام والفوضى. هذا الحوار هو الذي يتيح للوجود أن ينشأ وللحياة أن تتطور. فالانبثاق ـ وهو المفهوم الذي يستخدمه موران ـ هو العملية التي يخرج فيها النظام من الفوضى، والجديد من القديم. ومن هذه العملية ولدت الحياة، ثم الوعي، ثم الإنسان.

يعترف موران بأن الكون يظل مصدر دهشة لا تنفد، حيث يرى أن "الكون مذهل. الحياة مذهلة. الإنسانية مذهلة". إن ما يبدو مألوفًا يصبح غامضًا كلما تعمقنا في فهمه، وكل اكتشاف علمي لا يزيدنا إلا يقينًا بأن المجهول أكبر من المعروف. من هنا يربط بين العلم والفلسفة والشعر، لأن الجميع يتعامل مع الغموض بطرق مختلفة. فالعلم يحاول أن يفسره، والفلسفة تسائله، والشعر يحتضنه. وما يجعل الإنسان إنسانًا هو قدرته على التأمل في الغموض دون أن يدّعي امتلاكه.

ويتناول موران الإنسان نفسه، ويصفه بأنه الكائن الذي يعرف كل شيء تقريبًا عن الكون، لكنه لا يعرف نفسه. فبالرغم من التقدم في علوم الدماغ والأعصاب، يظل الوعي لغزًا لا يمكن حله. كيف تنتج المادة الفكر؟ كيف تتحول الإشارات العصبية إلى مشاعر وأفكار؟ هذه الأسئلة لا تزال بلا إجابة، لأنها تتجاوز حدود التجريب العلمي. الإنسان، في نظر موران، هو المجهول الذي ينتج المعرفة. إنه الكائن الذي يعيش داخل تناقض دائم بين النظام والفوضى، بين العقل والخيال، بين العلم والأسطورة. لذلك لا يمكن فهم الإنسان إلا بقبول هذا التناقض في داخله. فالوعي ليس معطًى بسيطًا، بل نتاج لتاريخ طويل من التفاعل بين البيولوجي والثقافي والرمزي.

وحول المستقبل، يخصص موران فصلًا للتفكير في زمن ما بعد الإنسانية مع بروز الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، محذرًا من الوهم القائل بأن الآلة يمكن أن تفهم ما لم يفهمه الإنسان. إن الذكاء الاصطناعي قادر على تحليل المعلومات وتنظيمها، لكنه لا يستطيع أن يشعر بالدهشة أو أن يختبر الغموض أو أن يسأل عن المعنى. فالمعرفة التقنية لا تعني الفهم الإنساني، لأن الفهم يرتبط بالوعي، والوعي مرتبط بالخبرة الوجودية. ولهذا يكتب موران في جملة ختامية ذات دلالة واضحة: "إن أعظم ما يمكن أن نتعلمه هو أن نحيا في الغموض، لا أن نلغيه".

بهذه الخلاصة، يعيد موران تعريف العلاقة بين المعرفة والجهل والغموض على نحوٍ دائري. فالمعرفة تولّد الجهل، والجهل يكشف الغموض، والغموض يفتح أفقًا لمعارف جديدة. لا يمكن لأي مرحلة أن تلغي الأخرى، لأن كل واحدة منها شرط وجود الثانية. إن المجهول ليس فراغًا، بل قلب الفهم الإنساني. يقول موران "إن المجهول هو قلب المعروف... لا يقتصر الأمر على أن الغموض يفلت من المعرفة، بل إنه في قلب المعرفة".

بهذه الفكرة يختتم موران رحلته الفكرية، داعيًا إلى نوعٍ جديد من التفكير يقوم على التواضع والاعتراف بحدود الإنسان أمام الكون. فالحكمة ليست في امتلاك الحقيقة، بل في الوعي بأنها غير مكتملة.