First Published: 2015-05-03

هكذا ينتهي الوطن

 

بالقمع والإرهاب استطاع الشيعة فرض فوقيتهم المذهبية على العراق، بالتخلي عن مناطقيتهم وعشائريتهم وقوميتهم. أصبحوا كتلة كبيرة منظمة بقيادة إيرانية. هل ينجح السنة أيضاً بنوع من وعي الذات وتجاوز الولاءات الجانبية التي يترفعون بها على بعضهم البعض؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

المطعم مزدحم لا توجد طاولة فارغة، فطلب مني رجل السماح له بالجلوس. تبين لي بأنه تاجر عراقي. سألته عن بغداد فقال هي جنة، واستفاض بمديح المدينة، وأنه لا يبدلها بكل العالم. يقول حين يسافر يأخذ خلطات الشاي من "باب الشرجي" معه، فهو معتاد على الشاي العراقي والطرشي العراقي والتمن عنبر، فعرفت بأنه شيعي مرتاح للحكومة.

رجل مهذب جدا، راقبت حركات يديه وارتفاع صوته. قلت له لكن السني البغدادي خائف جداً، قال بأنه ليس بيده شيء حيال ذلك. قرب متجره ببغداد ثلاثة متاجر لسامرائيين وآخر لرجل دليمي، قلت لكنهم خائفون على حياتهم. فقال: أنت عراقي.

هو يبدو سعيدا لأنني مطرود من بلادي، وكل ما يعرفه عن الموصل أنها مدينة وحوش كما قال لي على الغداء، فيها دواعش يقطعون أيدي الأطفال إذا سرقوا حلوى، ويبترون سيقان الفتيان إذا لعبوا كرة القدم. الرجل مقتنع تماماً بما يقول. طلبنا الشاي ودفعت الحساب، فأنا سبقته على الطاولة بحسب الأصول العراقية. هكذا ينتهي الوطن بين رجلين، جلسا بالمصادفة على طاولة واحدة، مجرد ذكريات مشتركة، لاشيء يجمعنا في الحاضر.

عدت إلى البيت لأقرأ رسالة من بغداد "أسعد البارحة جاري ببغداد دخلوا عليه البيت وقتلوه، وحملته بيدي، شباب السنه في رعب، أرجوك لا تكتب بأن الأنبار ستبيد الحشد الشعبي، فلو حدث هذا ماذا سيكون مصيرنا." ورسالة أخرى من سيدة في الموصل "كلو مكتوب من الله، نحن فقط أدوات لمشيئته، حتی لو حدث لنا شيء لاقدر الله فهذا اجلنا، وما منا مهرب. الآن جاءت الطائرة وقصفت، اتشاهدنا واتحضرنا بس عدت سلامات، حاليا هذا حال الموصل، عندما تأتي طائرة نتشاهد وننتظر حتى تخلص قصف وتروح، الحمد لله على كل حال."

شاب من بغداد يقول بأنه شارك في احتجاجات 25 شباط/فبراير الوطنية عام 2011 التي انطلقت بساحة التحرير في مركز العاصمة بغداد. ولسبب مجهول كانت الشرطة العراقية تطلق سراح الشباب الشيعة بعد اعتقالهم، حتى أن كاتبا من مدينة الصدر ذكر بأنه قد شارك بالتظاهرات وتم اعتقاله لنصف ساعة فقط بسيارات الشرطة ثم أطلقوا سراحه. بينما هذا الشاب السني اعتُقِل عشرين يوما يضربونه من الرقبة إلى القدمين، حتى لا يرى القاضي كدمات على وجهه. استمر التعذيب حتى أُصيب بعجز كلوي كامل، وتم الحكم عليه بسجن 8 أشهر، ولم يٰطلَق سراحه إلا حين تدخلت صحفية إيطالية لصالحه بالمصادفة. ومنذ ذلك الحين وهو يحتاج زيارات دورية علاجية للغسل الكلوي المكلف ماليا. لا نستفيد في هذه الحالة من أي مشروع وطني، على العكس من ذلك يبدو التطرف لدى السنة أكثر جدوى لمقاومة الظلم الصفوي، لأن الوطنية أصبحت مجرد فخ وخدعة.

لقد مارس الصفويون نوعا من التطرف المذهبي والإجرام، ودفعوا السنة دفعا إلى استدعاء فقهائهم المحاربين، وأعتقد بأنهم لا يعلمون لو أفاقت الأرواح الكبيرة، سوف يتحول العالم إلى "توق للزوال" ويتفجر العنف. وربما يفقد فقهاء الإعتدال السيطرة تماماً على الناس. يقول أحد الشباب بأن أول شيء فعله خطيب بالأنبار بعد سيطرة الدواعش هو انتقاد المفتي رافع الرافعي والعلامة عبدالملك السعدي في المسجد لأنهما ليسا من فقهاء الحرب.

فما هو الإعتدال وما هو التطرف؟ الاعتدال هو الأب والشيخ يجرب حلاوة الايمان، وحكمة الحياة والدين فيجلس مع الشباب ليقدم لهم النصح والهداية بعد تجربة العمر. أما التطرف من جهة اخرى فهو أنك تجد الشباب يجلسون مع الشيوخ وكبار السن ليعلموهم الايمان وتقوى الله.

ثم أن العراق ليس فيه سنة وشيعة كما نظن، هو فيه شيعة ومسلمون آخرون "ليسوا شيعة" فقط. سنة العراق يعانون من سبات عقائدي طويل. ففيهم عبادة القبور والدروشة والسحر والبدع الكثير، وليس عندهم أرضية قوية يقفون عليها للإحتجاج حقاً على النهج الصفوي. لهذا بدأت داعش مثلا بهدم معتقدات السنة أولا لإعدادهم للمواجهة الكاملة.

كما أن هناك مشكلة العصبية والطبقية التي يعاني منها المجتمع السني العراقي بشدة، وهي كانت تشمل العراق عموما، إلا أن المجتمع الشيعي انسحب من هذه الإشكالية بتمجيد الفارسي ورجال الدين غير العرب، وبالقضاء على سلطة شيوخ القبائل لصالح رجال الدين. هكذا تحول الشيعة إلى كتلة سياسية واجتماعية واحدة تحت سلطة المرجع السيستاني.

أصبح هناك شعب شيعي في العراق، تم تأسيسه بخبرات إيران وآيات الله، فلا نجد بينهم نزاعات مسلحة ولا تمردات عسكرية ولا اغتيالات. ليس سهلا السيطرة على أكثر من خمسين ميليشيا مسلحة دون أن تحدث بينها مواجهات دموية واسعة. هل سمعتم بقتال بين عصائب الحق وجيش المهدي مثلا؟

قد يحتج متابع ويقول العصائب وجيش المهدي تقاتلا اكثر من مرة ببغداد، وكذلك ميليشيات الصدر وفيلق بدر، ومرة حدث ضرب هاونات على البيوت بحي الجهاد في بغداد، ومرة جيش المهدي حاصر قناة العهد بالكرادة التابعة للعصائب. إلا أن هذا كله مجرد مناوشات بسيطة بين صبيان وليست نزاعا جوهريا، مما يدل على وجود تنظيم أعلى موحد غير مرئي يدير الميليشيات.

لا يوجد ضابط كبير واحد "شيعي" منشق من النظام الحالي معارض في الخارج، لا يوجد شيخ عشيرة كبير "شيعي" منشق معارض في الخارج، لا يوجد برلماني أو وزير "شيعي" كبير منشق من النظام الحالي معارض في الخارج، لا يوجد حزب "شيعي" مؤثر ومنشق من النظام الحالي معارض في الخارج. لاشك بأن هذا له معنى أليس كذلك؟ التاجر الذي قاسمني الغداء لم يكن يفكر بترك بغداد على الإطلاق، فالعراق بعينيه مختلف تماماً عن العراق الذي يراه شعبي.

بالقمع والإرهاب استطاع الشيعة فرض فوقيتهم المذهبية على العراق، بالتخلي عن مناطقيتهم وعشائريتهم وقوميتهم. أصبحوا كتلة كبيرة منظمة بقيادة إيرانية أليس كذلك؟ السنة بالمقابل احتفظوا ببقايا تلك الطبقية في بيئة محافظة والتي لم يعد بإمكانهم ممارستها على الشيعة بعد أن أصبحوا سلطة حاكمة بشرعية المرجع الفارسي. فماذا يفعل السنة بطبقيتهم وعصبياتهم التي بقيت كما هي سوى ممارستها على بعضهم البعض فقط؟ وهذا لاحظناه في موقف بعض العشائر السنية من بعض المناطق في الحرب الدائرة دون ذكر أسماء.

لهذا ظهرت عندهم الدولة الاسلامية الي تقفز على العامل المحلي، فلا عامل قومي ولا طبقي ولا قبلي ولا مناطقي في خطابهم، إنها محاولة سنية للحاق بما أنجزه المشروع الصفوي، فالصفويون نجحوا في ترسيخ نوع من الوحدة، بينما بقي السني العراقي ممزقا وموزع الولاء.

هل ينجح السنة أيضاً في المستقبل بنوع من وعي الذات وتجاوز الولاءات الجانبية التي يترفعون بها على بعضهم البعض؟ وهو ترفع زائف معيب لا معنى له. أعتقد بأنهم في طريقهم إلى ذلك بسبب المعاناة، فلا فرق بين دليمي وأعظمي وسامرائي وموصلي وزبيري في هذه المحنة الكبيرة التي هم فيها اليوم، ولا بد لهم من التضحية بطريقتهم القديمة في النظر إلى بعضهم البعض. يجب أن يقبلوا بأن الصراع جعل منهم "مسلمين سنة" رغما عنهم، ويبدو بأن المسجد هو ما يوحدهم في المستقبل.

يقول الأستاذ محمد الدليمي رأينا الشامي المتغطرس يحتقر القبائل العربية الأصيلة ويسميهم "شوايا" غير أننا رأيناه أيضاً يركع للعلوي القادم من الساحل. ورأينا ابن الأعظمية يترفع على الأنباريين بينما هو يرتجف اليوم أمام جيش المهدي وعصائب الخزعلي. فلماذا لا ينحنون لقبائلهم الباسلة المحاربة الشجاعة التي تشاركهم العقيدة والمسجد، وتذود عن مالهم وعرضهم.

يبدو المجتمع السني في حالة تحول عنيف بسبب الضغط الإيراني عليه، فهو مدفوع بقوة الضرورة نحو التخلص من الطبقية العصبية من جهة، والبدع الدينية من جهة أخرى، والتوحد في عقيدة واحدة مناقضة للمشروع الإيراني بالضرورة. تحول من هذا النوع لابد أن يكون عنيفا بلا شك.

يطمح المثقفون السنة بإقليم خاص وبرعاية أميركية لهذا المشروع عن طريق تفعيل قانون الكونغرس الأخير بتخصيص ميزانية ضخمة لتسليح السنة وتأسيس حرس وطني، كما يفكر بعضهم بحلول وطنية عن طريق إسقاط الحكم الصفوي ببغداد وصعود حكومة وطنية. هذا المقال غير معني بالطموحات وإنما يكتب للقارئ الكريم ما يجري على الأرض اليوم في العراق.

 

أسعد البصري

الاسم سمير
الدولة بلاد العرب

الصفويين يتحركوا عبر العراق وهي تتمدد ولا بد من موقف ثابت يتحرك ليمنعها

2015-05-17

الاسم عبدالله العراقي
الدولة بلاد المنفى

لو

2015-05-03

الاسم عبد المتكبر
الدولة المغرب

لكل شئ ثمن و ثمن الكرامة يدفع من الكرامة ذاتها. تعجبني مقالاتك التي على هذه الشاكلة أستاذ أسعد و أسأل الله أن يحفظ لكم العراق من شر الشيطان الأوسط و الشيطان الأكبر.

2015-05-03

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
نداء عربي إلى كردستان المحاصرة
2017-10-01
هل السنة العرب مع الأكراد؟
2017-09-30
جهاد النكاح في العراق
2017-06-13
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المطرب حسين نعمة واجتثاث البعث
2017-04-01
بعد خطبة النهاية الداعشية، على سنة العراق تقديم قيادات مقبولة
2017-03-23
الطائفية الثقافية في العراق
2017-03-03
ماذا عن سنة العراق لو تمت المصالحة بين السعودية وايران؟
2017-02-06
المزيد

 
>>