First Published: 2016-06-23

عبقرية المؤسسات المصرية

 

الحكم الذي أصدرته محكمة القضاء الإداري بشأن بطلان اتفاقية الحدود البحرية بين مصر والسعودية يمثل دليلا دامغا على أهمية الدور الذي تلعبه المؤسسات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

قل ما شئت عن الأوضاع في مصر، سلبا أو إيجابا، لكن لا يمكن التشكيك أن هناك مؤسسات في هذا البلد، نجحت في أن تحافظ على وحدته خلال الفترة الماضية، وعصمته من الانزلاق في طريق التدهور، الذي دخلته دول أخرى مجاورة، لم تلتفت إلى أهمية أن تكون لديها مؤسسات.

لذلك كانت أول خطوة في سيناريو التفتيت الذي تديره بعض القوى الكبرى هي تخريب المؤسسات الحيوية، عبر أدوات مختلفة، وهو ما حدث في العراق وليبيا واليمن، وعندما فشل تطبيق هذا السيناريو في سوريا أصبحت الدولة عصية على أن تسيطر عليها قوة بعينها.

وفي مصر دليل دامغ على الدور الذي لعبته المؤسسات في الحفاظ على كيان الدولة ووحدتها، حيث فشلت مخططات الاختراق، وساعد صمود الهيئات الإدارية على مضاعفة الصعوبات أمام من حاولوا الاستهداف.

في الوقت الذي انهارت فيه جهات كثيرة معنويا، بدت مصر دولة مؤسسات بامتياز، حيث تمكن الجهاز البيروقراطي العتيد من أن يقاوم ويرفض كل جهود التفتيت، بصورة أضاعت الفرصة على من عملوا على النيل من تماسكه الذي يضرب في القدم.

وقد رأينا حجم الفشل الذريع لكل المساعي التي بذلت لأخونة الأجهزة، الإدارية والأمنية والاقتصادية والقضائية والإعلامية، والمواجهة الشرسة التي خاضتها قطاعات كثيرة ضد هذا الاتجاه، الأمر الذي برهن على الأهمية الفائقة لوجود دولة المؤسسات، والدور الإستراتيجي الذي تقوم به في حماية الأمن القومي.

هذه المسألة كانت دافعا رئيسيا لإضفاء الشرعية اللازمة على جميع الخطوات التي اتخذت للتصدي لحكم الإخوان، ليس فقط للاعتبارات المحلية التي تؤكد عبقرية المؤسسات، لكن لأن العالم كله يراقب ما يتخذ من إجراءات في مصر، وكان الحفاظ على الأبعاد القانونية والمؤسساتية عنصرا حاسما في المواجهة الطويلة.

وحتى عندما أسقطت الثورة الشعبية في 30 يونيو 2013 حكم الجماعة، كان الحرص مستمرا للحفاظ على هياكل الدولة، وعدم الخروج على القنوات الشرعية، ووضعت خريطة رسمت الطريق الذي سوف تسير فيه البلاد، وفوت الالتزام بها الفرصة على من راهنوا على الفشل والانقسام.

الدور الذي لعبته المؤسسة العسكرية مثلا، سواء في مواجهة جحافل الإرهاب وحماية أمن واستقرار الدولة المصرية أو عمليات البناء المتعددة، يكشف لأي درجة نجحت في التصدي للخطط والمؤامرات التي كانت ترمي إلى تقسيم الدولة وشعبها، ويؤكد أنها العماد الأساسي الذي يجب احترامه والحفاظ عليه وعدم المساس بهيبته، والوقوف خلفه يعد واجبا وطنيا، في ظل التحديات الجسيمة التي تواجهها البلاد على جبهات عدة، والتي تفرض الابتعاد عن رفاهية الاختلاف في بعض التفاصيل.

عبقرية المؤسسات في مصر ليس في التمسك بها والحفاظ عليها، بل في الاحتكام إليها، ومهما قيل عن حالات فساد ضربت بعض الوزارات، أو تفسيرات أساءت للبعض الآخر، لكن في النهاية هناك قوانين راسخة، يصعب تجاوزها.

وربما تكون ثمة ثغرات تستغل من جانب نافذين ومحنكين للسيطرة على مفاصل عدد من المؤسسات، غير أن الدستور والقوانين والتقاليد والأعراف تحول دون إتمام التوظيف التام لها، فكما توجد ثغرات لتحقيق الأهداف السلبية، توجد أيضا ثغرات لسدها وصدها بطريقة إيجابية.

لعل الحكم الذي أصدرته محكمة القضاء الإداري أخيرا بشأن بطلان اتفاقية الحدود البحرية بين مصر والسعودية، يمثل دليلا دامغا على أهمية الدور الذي تلعبه المؤسسات، وأن الاحتكام إليها يظل مؤشرا على قوة الدولة، وأنها قادرة على مواجهة الانحراف بالوسائل القانونية، وهي المجال الذي ارتضاه النظام للتعامل مع قضايا الفساد المتعددة، فالحكم يظل للقانون، والحرص على استمرار هذا المنوال واحد من الزوايا التي تعزز الثقة في التوجهات العامة للدولة، وهي تخوض غمار حرب المشروعات الكبرى.

بصرف النظر عن موقفنا السياسي من اعتراف مصر بحق السعودية في جزيرتي تيران وصنافير، فإن النتيجة التي جرى الوصول إليها من خلال القضاء تعظم الفائدة المرجوة من الاعتماد على دولة المؤسسات، فالقبول بحكم أول درجة يفرض القبول بحكم الدرجة الأعلى، إذا جاء مخالفا له.

كما أن اللجوء إلى البرلمان منذ البداية للموافقة على أو رفض هذه الاتفاقية كان توجها سليما من النظام ويتناغم مع الدستور، ويعزز الدور الذي تلعبه المؤسسات المختلفة وجدوى الاحتكام إليها في هذه القضايا المثيرة.

الحكم الذي فسره البعض تفسيرات سياسية كالعادة، وقالوا أنه يعيد الثقة في القضاء المصري واستقلاله، يبين الدور الوطني الذي يقوم به، وأتمنى ألا يغير هؤلاء رأيهم عندما تتصدى المحكمة ثانية للقضية ذاتها، بعد إعلان هيئة قضايا الدولة الطعن، خاصة إذا جاء الحكم الثاني مناقضا للأول.

وليتنا لا نتعامل مع الأحكام بشكل انتقائي، أو كما يتعامل أنصار وداعمو وحلفاء الإخوان، على طريقة القضاء يقوم بدوره جيدا عندما تتفق أحكامه مع مصالحهم، والعكس، حيث تكال له الاتهامات إذا ابتعدت أحكامه عن أغراضهم السياسية.

القضاء أحد المؤسسات العريقة في مصر، الذي يقوم بدور محوري في ضبط الكثير من أنواع الخلل، والتصدي لعدم نشر الفساد، والحفاظ على العدالة، واحترامه يجب أن يحظى بأولوية كبيرة في حسابات المواطنين قبل المسؤولين، وهو من أهم الجهات التي تحفظ للدولة عافيتها، والدور الكبير الذي يقوم به جعله رأس حربة في كثير من المواجهات التي جرى تسييسها خلال الفترة الماضية، بما فتح الباب عن عمد لقدر من الالتباس.

بالتالي إعادة الضبط والربط لجميع أجهزة الدولة كفيل بأن يشيع أجواء التفاؤل في المستقبل، باعتباره المدخل الحقيقي الذي يؤكد أهمية الدور الحيوي للمؤسسات.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
تغيير وجه السودان سياسيا
2017-03-30
إغلاق صفحة أوباما مع مصر
2017-03-23
معركة تحرير العراق من إيران
2017-03-16
المزيد

 
>>