First Published: 2016-09-19

سوريا في ظلّ اربع وصايات

 

ماذا بقي من 'الجمهورية العربية السورية' التي حولّها الأسد والأب الى اقطاع للطائفة ثمّ للعائلة؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

شيئا فشيئا، تدخل ارض سوريا تحت اربع وصايات دفعة واحدة في وقت ليس من همّ لدى النظام سوى انقاذ نفسه، والبقاء في السلطة ولو شكليا ايّا يكن الثمن المطلوب دفعه. هذا الثمن يمكن ان يعني التخلي النهائي في مرحلة معيّنة عن الجولان المحتل منذ العام 1967. سيحصل التخلي، اذا بقيت الامور على حالها، بعد إيجاد صيغة معيّنة تغني الموجود في رأس هرم السلطة عن توقيع ورقة رسمية بذلك، تماما مثلما تخلّى في مرحلة معيّنة عن لواء الاسكندرون الذي كان الى ما قبل سنوات قليلة "اللواء السليب".

باستثناء بعض ما يلفّ الموقف الإسرائيلي من غموض يعود الى محاولتها إخفاء لعبتها من منطلق ان الوقت يعمل لمصلحتها، صار واضحا، الى حدّ ما، ما الذي تريده كل وصاية من الوصايات الأربع. تركيا مهتمّة بعدم قيام دولة كردية في سوريا تكون لها امتدادات داخل الأراضي التركية. حصلت انقرة على ما تريده بموافقة اميركية. ليس معروفا بعد ما الذي سيكون موقفها النهائي من مدينة مثل حلب تعتبر في غاية الاهمّية بالنسبة اليها، بل تعتبرها مدينة تركية، اذ سبق لها وطالبت بها. ساهم الموقف الاميركي من اكراد سوريا وطموحاتهم في تهدئة تركيا. ولكن يبقى السؤال الأساسي هل تقبل انقرة التخلي نهائيا عن اهل حلب الذين راهنوا على وقوفها معهم؟

بالنسبة الى ايران، كلّ ما يهمها هو "سوريا المفيدة" التي تسيطر على الجزء الأكبر منها. وهذا ما يفسّر الى حد كبير هذا التورط العسكري لـ"حزب الله"، الذي ليس سوى لواء في "الحرس الثوري" الايراني، في الحرب التي يشنّها النظام على شعبه من منطلق مذهبي قبل ايّ شيء آخر.

تريد ايران ربط "سوريا المفيدة" بالدويلة التي اقامها "حزب الله" في لبنان وذلك كي يظلّ قسم من الأرض السورية ممرّا للأسلحة التي ترسلها ايران لـ"حزب الله" الذي تعتبره الإنجاز الأكبر الذي حقّقته منذ قيام "الجمهورية الإسلامية" في العام 1979. يظل "حزب الله" بالنسبة الى ايران في مستوى اهمّية النظام العلوي في سوريا، بل اكثر اهمّية منه. تحوّل "حزب الله" مع مرور الوقت الى أداة إيرانية تستخدم في أماكن مختلفة في المنطقة انطلاقا من لبنان. الحزب صار موجودا في العراق وسوريا واليمن. كذلك، لا يمكن تجاهل دوره في ما يخصّ الوضع في البحرين حيث لإيران مشروعها الخاص.

تريد روسيا الاستفادة الى ابعد حدود من إدارة أوباما التي قرّرت الانسحاب من الشرق الاوسط. تريد عمليا تأكيد انّها عادت قوّة عظمى موجودة على ساحل المتوسّط. لم يعد لديها من مكان تثبت فيه انّها قادرة على العودة الى لعب دور خارج حدودها، هذا إذا استثنينا أوكرانيا، غير الأراضي السورية التي صارت تسيطر على جزء منها. إضافة الى ذلك، لا يمكن تجاهل ان الساحل السوري في غاية الاهمّية بالنسبة الى روسيا التي لا تريد ان تكون هناك خطوط للغاز تمتد من الدول العربية في الخليج الى الشاطئ المتوسطي.

تبقى الوصاية الرابعة المتمثلة في إسرائيل التي استطاعت أخيرا تطبيع العلاقات مع تركيا في ظلّ تفاهم تركي ـ إيراني عبرت عنه زيارة وزير الخارجية محمد جواد ظريف لانقرة للتضامن مع رجب طيب اردوغان بعد محاولة الانقلاب الأخيرة التي استهدفت ازاحته.

تصرّفت إسرائيل حتّى الآن، بالتفاهم التام بين رئيس الوزراء فيها بنيامين نتانياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بما يشير الى انّها تعرف ما الذي تريده في نهاية المطاف، وذلك على الرغم من كلّ ما يلفّ مواقفها من لبس. لن تكشف اوراقها سريعا ما دام التنسيق العسكري مع روسيا المتحالفة مع ايران يلبي كلّ مطالبها الآنية. بين هذه المطالب تنفيذ غارات في الداخل السوري متى تطلبت مصالحها ذلك وذلك من دون العودة الى احد، بما في ذلك الولايات المتحدة التي يظهر انّها استسلمت نهائيا لروسيا في كلّ ما له علاقة من قريب او بعيد بهذا الملفّ.

الواضح ان التفاهمات الاسرائيلية مع النظام السوري منذ تسليم حافظ الأسد، وزير الدفاع وقتذاك، الجولان في العام 1967، ما زالت سارية الى حدّ كبير. لكنّ هذه التفاهمات باتت في حاجة الى تطوير بما يتلاءم مع التطورات المستجدّة. ما يتبيّن مع مرور الوقت ان إسرائيل ماضية في مشروعها الأصلي الذي يشمل السيطرة مباشرة او غير مباشرة على الجولان من جهة والانتهاء من ورقة اسمها جنوب لبنان من جهة أخرى.

كان هناك دائما في كلّ وقت تفاهم إسرائيلي مع النظام السوري على بقاء جنوب لبنان جبهة مفتوحة، ان عندما كان الجنوب تحت سيطرة المسلّحين الفلسطينيين وان بعدما سيطر عليه "حزب الله". كان مطلوبا في كلّ وقت ان يكون الجولان هادئا والجنوب ورقة للمساومات التي لا علاقة للبنان بها. لذلك، كان القرار الرقم 1701 الذي صدر عن مجلس الامن في آب ـ أغسطس 2006 نقطة تحوّل على الصعيد الإقليمي. يتمثّل هذا التحوّل بعودة الجيش اللبناني الى الجنوب بعد غياب زاد على عقدين عنه... مع استمرار وجود "حزب الله" في المنطقة لاسباب مختلفة بما فيها غياب القدرة لدى الحكومة اللبنانية على اتخاذ موقف واضح من هذا السلاح المذهبي الذي يخدم المشروع التوسّعي الايراني في المنطقة. يضاف الى ذلك بالطبع غياب الرغبة الدولية، والأميركية تحديدا، في ازعاج ايران المصرّة في كلّ وقت على ان يكون جنوب لبنان ورقة في يدها.

في ظلّ الظروف القائمة، يبقى الخوف كلّ الخوف ان يكون هناك ثمن على لبنان دفعه. ففي مقابل توفيرها الغطاء للوصايات المباشرة التركية والروسية والإيرانية على الأراضي السورية ستحتاج إسرائيل الى من يغلق نهائيا ملفي الجولان وجنوب لبنان بما يرضيها. ما الذي تريده ايران من إسرائيل كي تضمن لها امنها، خصوصا من جنوب لبنان؟

يفترض في اللبنانيين التفكير في هذا السؤال مليا. يمكنهم عندئذ الوصول الى إجابات، علما انّ لا تفكير إيرانيا في هذه المرحلة سوى في كيفية عقد صفقة مع "الشيطان الأصغر". في أساس مثل هذه الصفقة ورقة جنوب لبنان. ستكون هذه الصفقة التي تسعى ايران من خلالها الى وضع اليد نهائيا على لبنان استكمالا للصفقة الكبرى مع "الشيطان الأكبر" التي كان في أساسها الملف النووي الايراني.

هل بدأ اللبنانيون يفهمون الآن لماذا كلّ هذا التأخير في انتخاب رئيس للجمهورية ولماذا كلّ هذه العراقيل التي وضعها "حزب الله" من اجل بقاء الوطن الصغير من دون رئيس؟ سيكون من الصعب على اللبنانيين التفكير بشكل صحيح ولو لمرّة واحدة مستفيدين من تجارب الماضي القريب ومن المستجدات السورية، بما في ذلك انّه لم يبق من جارتهم "الجمهورية العربية السورية" شيء يذكر. ماذا بقي من الجمهورية التي حولّها الأسد والأب الى اقطاع للطائفة ثمّ للعائلة؟ ماذا بقي من كلمة العربية وماذا بقي من الأرض السورية نفسها التي تتنازعها اربع وصايات يجمع بينها غياب الصفة العربية عن كلّ واحدة منها؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
صواريخ إيرانية... لاستهلاك الداخلي
2017-05-28
'المدارس العتيقة' المرتبطة بالمستقبل
2017-05-26
قمم الرياض... انقلاب
2017-05-24
لم يكن امام الايرانيين سوى الرهان على فاشل
2017-05-22
قمم الرياض... والتصالح مع الواقع
2017-05-21
قمّة تمهّد لثلاث قمم...
2017-05-18
لا شيء يحدث بالصدفة منذ تسليم الجولان
2017-05-17
إضاعة الفرص.... هواية وطنية لبنانية
2017-05-15
لا فارق اذا رحل ترامب... او بقي
2017-05-14
الوحدة اليمنية ضرورية... ولكن!
2017-05-12
المزيد

 
>>