First Published: 2017-08-18

مفاجآت الأعرجي...

 

لا تريد الرياض اختراع عراقها بل التعامل مع عراق اليوم، أي عراق ما بعد غزو عام 2003 ونتائجه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

زار قاسم الأعرجي السعودية في 17 يوليو الماضي وانتظر حتى 14 أغسطس الجاري حتى يعلن من طهران أن السعوديين طلبوا منه ومن حيدر العبادي وساطة مع إيران. وما بين الحدثين مرت مياه كثيرة بين الرياض وبغداد أربكت وما زالت تربك الحاكم في طهران.

قبل أن يطلق الأعرجي ما وُصف بأنه "مفاجأة"، كان قد مرّ شهر كامل على محادثات المسؤولين السعوديين مع وزير الداخلية العراقي. صدر عن الأعرجي بعد زيارته للسعودية ولقائه بنظيره السعودي الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف وبعد ذلك بولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تصريحات إيجابية تشيد بالانفتاح السعودي، ذلك أن "عودة العراق إلى المحيط العربي وعودة العراق إلى المحيط العربي تصب في في مصلحة الشعبين"، حسب رأيه. وقال الوزير العراقي إن العلاقات الجديدة مع السعودية والخليج لا تتناقض مع العلاقات مع إيران، وهو رأي لا شك أن إيران لا تنظر إليه بعين الرضى. أفاض الأعرجي وداً وتفاؤلا وترحيباً، ولم يتحدث البّتة، ولا حتى تلميحاً، عن وساطة طلبت منه لتخفيف التوتر مع إيران.

لا يخفي وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي علاقته الحميمة مع إيران. فالرجل من قيادات فيلق بدر الذي قاتل إلى جانب القوات الإيرانية أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وهو من المعجبين باللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، وسبق أن طالب بإقامة تمثال له (أي سليماني) في العراق. والأعرجي "حشدي"، وفق تصريحاته، أي أنه ينتمي لقوات الحشد الشعبي ومؤيد لها ولاستمرارها جزءا من التشكلات العسكرية للعراق، وهي التي سبق لقياداتها أن أطلقت التهديدات تلو التهديدات للسعودية مهوّلة باقتحام حدود البلدين للضرب في داخلها.

وحين استقبلت السعودية الوزير العراقي، استقبلته بتلك المواصفات الشخصية المعطوفة على كونه وزير داخلية يمثل رسميا ملفات الأمن في بلاده. بكلمة أخرى، توجّه المسؤولون السعوديون إلى الأعرجي بصفتة العراقية وبصفته الإيرانية دون حرج أو التباس. لكن الدعوات التي وجهتها الرياض للمسؤولين السعوديين كانت تهدف إلى تنشيط استراتيجية سعودية جديدة تروم فتح صفحة جديدة صحيّة مع العراق تنهي مرحلة التوتر بين البلدين في عهود المملكة السابقة، وكانت في الوقت عينه تريد مقاربة عراق اليوم الذي تحكمه منظومة سياسية قريبة من طهران، بغض النظر عن حجم المسافات التي تصل حيدر العبادي أو قاسم الأعرجي أو مقتدى الصدر أو غيرهم لاحقاً بنظام الحكم في إيران.

ومنذ الزيارة المفاجئة التي قام بها وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إلى بغداد في فبراير الماضي، خرجت من المنابر الإيرانية في طهران سهام تطلق عشوائيا ضد أي مسعى عراقي باتجاه العراق. لكن إيران، التي تعتبر "بغداد عاصمة للامبراطورية الإيرانية"، لم تر في المسعى السعودي الجديد إلا تكرارا لمحاولات ركيكة لن يكتب لها النجاح داخل الفضاء العراقي الذي تطبق طهران عليه تماماً. بيد أن التطورات في هذا الملف بدت هذه المرة لافتة مربكة على نحو يبرر لإيران ارتفاع وتيرة قلقها كما يفسر استدعاء الأعرجي لإطلاق تصريحه الشهير من قلب العاصمة الإيرانية: "السعودية طلبت وساطتنا مع إيران".

تصريحات الأعرجي، الذي يمثل جناح الصقور في موالاة إيران داخل الحكومة العراقية، يعبر عن امتعاض إيراني حقيقي من تطور العلاقات الخليجية العراقية. باشر البلدان انعاش مجلس للتعاون الاقتصادي، وفتح معبر عرعر الحدودي أبوابه بين البلدين بعد ثلاثة عقود على اقفاله، وبدا أن مشاريع لإعادة التبادل التجاري سوف ترى النور في أسرع وقت، فيما تطلب الرياض فتح قنصلية سعودية في النجف.

بدا أن إيران تنظر بعين الريبة إلى سلوك "يعيد العرب إلى العراق ويعيد العراق إلى العرب"، حسب تصريحات الأعرجي نفسه. وبدا أن إيران التي عملت بجهد كبير على جعل العراق تابعاً للجمهورية الإسلامية ولعاصمة الشيعة في قمّ، تتأمل بقلق تحرك العراقيين برشاقة للعودة إلى حضن العرب الطبيعي، كما تحرك شيعة العراق لإعادة الالتفاف مع الشيعة العرب حول النجف.

والحقيقة أن تصريحات الأعرجي، التي قابلتها السعودية ببرودة وبنفي متأخر غير انفعالي، لا تستهدف الرياض وليست مبرر صدورها. فالسعودية لم تغير موقفها من إيران وما زالت متمسكة بالتقييم الذي قدمه الأمير محمد بن سلمان في مقابلته الشهيرة مع الزميل داوود الشريان. والسعودية التي تستند على موقف متشدد ضد السياسات الإيرانية في المنطقة، لا يمنعها ذلك من أن يقوم وزير خارجيتها عادل الجبير بمصافحة نظيره الإيراني محمد جواد ظريف، وهي مصافحة اعتبرها ظريف شخصية لا تغير من موقف البلدين، ولا تعتبر تبدلاً في مقاربة الرياض لطهران. بمعنى آخر، أنه لو أرادت الرياض تحسين العلاقة مع طهران فهي بالتأكيد ليست بحاجة لوساطة الأعرجي ومواهبه.

تصريحات الأعرجي من طهران هي رسالة إلى العراق والعراقيين. لا تقوى إيران على تحمّل فكرة أن يكون للعراق سياسة مستقلة لا سيما على المستوى الخارجي، وخصوصاً مع السعودية بالذات، دون أن يكون الأمر جزءا من الأجندة الإيرانية الإقليمية. ولا تحتمل إيران فكرة ذلك الحجيج الذي يقوم به المسؤولون العراقيون إلى الرياض ودول الخليج والذي سينخرط به مسؤولون آخرون. وما يضير إيران أن الرياض تقارب العراق من بوابة المسؤولين الشيعة (العبادي، الأعرجي، الصدر) بما يسحب من طهران احتكارها لدينامية شيعة العراق وشيعة العالم أجمع.

أرادت إيران من تصريحات الأعرجي أن تقول للعراق والعراقيين أن انفتاح السعودية الجديد على العراق وانتهاجها استراتيجية أخوة وصداقة وتعاون مع بغداد، لا يجري لأن العراق دولة مهمة في التاريخ وفي الحاضر بالنسبة للرياض، وليس لأن العراق يمثل امتدادا جيواستراتيجيا للعالم العربي، وليس لأن العراق مدخل لأمن المنطقة واستقرارها، وليس لأن العراق قوة اقتصادية واعدة يجب تفاعل المحيط معها.. إلخ. أرادت طهران أن تبلغ العراقيين عبر وزير داخليتهم أن بلدهم ليس إلا تفصيل إيراني، وأن تقرّب السعودية منهم هدفه الوحيد هو التقرب من دولة الوصاية، إيران.

لم يؤكد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ما ذكره الأعرجي عن طلب الرياض وساطته لدى طهران. يعوّل العبادي كثيراً على المدخل السعودي الواعد لإخراج بلده من تحت المظلة الإيرانية. ينظر الرجل بترحيب إلى حركة السيد مقتدى الصدر باتجاه السعودية ثم باتجاة الامارات. يرى العبادي في التواصل العراقي الخليجي، أيا تكن حوافزه، ضرورة لترشيق الدينامية السياسية الداخلية لصالح الترويج لخيارات عراقية تكون بديلا عن قدرية الخيارات الإيرانية. ويعرف العبادي أيضاً أن القضاء على تنظيم داعش في بلاده يطرح أسئلة حول مسوّغات النفوذ الايراني في العراق ومبررات حركة قاسم سليماني بفيلقه وحرسه وحشده في العراق.

ولئن يمسك رئيس الحكومة العراقي بالعصا من النصف في الحرص على ديمومة الحشد الشعبي وعدم الاجهار بأي موقف يستفز طهران، فإن ضيق شيعة العراق قبل سُنتهم بات حقيقة تكبر كل يوم ضد تدخل إيران في شؤون بلادهم. يؤسس ذلك لمستقبل آخر يوسّع من هامش المناورة المحلي، ويوفّر أرضية مرحبة لانفتاح العراق على محيطه العربي. لكن إقبال بغداد على ذلك يتأسس على حقيقة لافتة تعبر عنها الاستراتيجية السعودية.

لا تريد الرياض اختراع عراقها بل التعامل مع عراق اليوم، أي عراق ما بعد غزو عام 2003 ونتائجه. عوّلت طهران كثيراً على نفور الرياض ونزقها من عراق تبتلعه إيران، بيد أن عودة السعودية إلى ذلك العراق سبب ذعراً يستدعي "مفاجآت" الأعرجي.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
خطايا مسعود وكارليس التي قد لا تغتفر
2017-10-20
ترامب وإيران: إطلالة واشنطن الجديدة على العالم
2017-10-16
لماذا ترتعد طهران من المسّ بالحرس الثوري؟
2017-10-13
أي رياح تنفخها الرياض صوب بيروت؟
2017-10-09
الدولة والدويلة في صلح حماس والسلطة!
2017-10-06
البيت الخليجي ما بعد أزمة قطر
2017-09-29
بارزاني ينتج ببراعة أمصالا مضادة لاستقلال دولته؟
2017-09-22
حماس تحل حكومتها: انتصار القاهرة!
2017-09-18
انتصار الأسد ونصرالله وشتائم المعارضة لدي ميستورا!
2017-09-15
حزب الله والجيش اللبناني: الصراع المؤجل!
2017-09-12
المزيد

 
>>