أهمية تنقية التاريخ الإنساني

لو أتيحت لي آلة الزمن، وأرجع آلاف أو مئات السنين ومعي تليفوني الموبايل وبطاريات كافة لإعادة الشحن، لتمكنت من إعادة كتابة التاريخ الإنساني.


التزييف يحدث اليوم ولدينا كل الوسائل لتسجيل أحداث التاريخ بطريقة علمية 


أدوات لا نهائية لكتابة وتدوين التاريخ

دائما أقول: "لو أتيحت لي آلة الزمن، وأرجع آلاف أو مئات السنين ومعي تليفوني الموبايل وبطاريات كافة لإعادة الشحن، لتمكنت من إعادة كتابة التاريخ الإنساني"!
اليوم ونحن في عصر ثورة المعلومات وعصر تسجيل المعارف بكل الطرق، يتم تزوير الحقائق يوميا أمام أعيننا، وأصبح لدينا إسهال معلومات مزيفة تصلنا عبر أخبار التليفزيون 24 ساعة 7 أيام في الأسبوع وعبر الصحف، ومما زاد الطين بلة هو مواقع التواصل الإجتماعي والتي مكنت ملايين البشر حول العالم من تأليف الأخبار والمعلومات وخلط الخبر بالرأي (سواء عن قصد أو بدون قصد)، وانتشرت نظرية المؤامرة حول العالم بعد أن كنت أظن أنها قاصرة على شعوبنا المتخلفة الجميلة، ولكن نظرية المؤامرة انتشرت بشدة حتى تبناها رئيس أقوى دولة في العالم، والتزييف لم يقف عند تزييف المعلومات فقط ولكن بوسائل التكنولوجيا الحديثة يتم تزوير الصور بطريقة الفوتوشوب وتزوير الوثائق، وتنشر هذه الصور والوثائق المصورة على أنها حقائق، ولو كان وزير الدعاية الألماني في عهد هتلر جوزيف جوبلز حيا اليوم لرقص فرحا اليوم لوجود تلك الإمكانيات لتزوير الحقائق، وجوبلز هو القائل: "الدعاية الجيدة هي أن أكذب وأستمر في الكذب حتى يصدقني الناس، ولكن الدعاية العبقرية هي أن أكذب وأكذب حتى أصدق نفسي!! 
كل هذا التزييف يحدث أمامنا اليوم ولدينا كل الوسائل (والتي لم تتح لبشر من قبل) لتسجيل أحداث التاريخ بطريقة علمية بعيدة عن العواطف والتعصب، فما بالك عما كان يحدث منذ آلاف أو مئات السنين عندما لم يكن لدى البشر سوى أدوات بدائية للغاية لتسجيل الأحداث.

تعالوا معي نركب آلة الزمن حاملين التليفون الموبايل لتسجيل بالصوت والصورة والفيديو حقيقة ما حدث منذ آلاف السنين

وتعالوا بسرعة ندرس تاريخ التدوين:
بدأ الإنسان في تسجيل الأحداث منذ أن أخترع الكتابة، وبدأت الكتابة كما هو معروف باللغة السومرية في بلاد ما بين النهرين (العراق) وباللغة الهيروغليفية في مصر الفرعونية وحدث هذا قبل أكثر من 5000 آلاف سنة، وقد سبقت اللغة السومرية اللغة الهيروغليفية بقليل، وكانت اللغة السومرية تكتب على ألواح من الطين أو الحجر، وكانت اللغة الهيروغليفية تكتب في البداية على الواح طينية ثم على أحجار المعابد.
وبعد ذلك ومن حوالي 4400 سنة بدأ المصريون القدماء في إستخدام ورق البردي للتدوين وإنتقل ورق البردي إلى بلاد الشام واليونان، ولم نعرف الورق قريبا من شكله الحالي حتى إخترعه الصيني تساي لون في عام 105 قبل الميلاد، وفي عام 1798 تم اختراع أول آلة لصناعة الورق على يد المخترع الفرنسي نقولا لويس روبير.
وفي الجزيرة العربية لم يكن العرب قبل الإسلام يهتمون بتسجيل أو تدوين أحداثهم وكانوا يعتمدون على الحفظ والنقل، وبالذات كانوا يحفظون معلقات كاملة من الشعر، والمعلقات السبع (أو العشر) المشهورة، لم يثبت تاريخيا أنها كتبت وعلقت على أستار الكعبة قبل الإسلام، وبعد الإسلام بدأ الأمر بتدوين القرآن على سعف النخل وعلى جلد الماعز، حيث لم يكن ورق البردي قد وصل الجزيرة العربية بعد، ولم يتم جمع القرآن كاملا إلا في عهد ثالث الخلفاء عثمان بن عفان، لذلك سمي بمصحف عثمان.
وعدد صفحات المصحف حوالي ستمائة صفحة، لذلك أخذت أتخيل المجهود الجبار لجمع هذا المصحف قبل وفاة الرسول وبعده ، وأتخيل حجم هذا المصحف المكتوب على سعف النخيل وجلد الماعز، وكم كان يبلغ وزنه، بل وكيف تم ربط كل هذه الصفحات ببعض لكي تصبح كتابا واحدا، وقد قام الخليفة عثمان بن عفان بعمل أكثر من نسخة من المصحف وتوزيعه إلى كل الأقطار الإسلامية (مكة والشام والكوفة والبحرين والبصرة واليمن وخلافه من البلدان التي تم فتحها) وأبقى عنده في المدينة نسخة واحدة، هل تتخيلون مجهود نسخ عشر نسخ أو أكثر على جلد الماعز وسعف النخيل وكلها مكتوبة بخط اليد؟؟
وحديثا ولأول مرة في حياتي اعرف بأن أول نسخة إسلامية من المصحف الحديث تمت طباعته على ورق حقيقي يشبه المصاحف التي في ايدينا حاليا تمت طباعته في مدينة سانت بيترسبرج في روسيا عام 1787 بأمر من ملكة روسيا كاترينا أي بعد حوالي 1150 سنة بعد وفاة النبي محمد صاحب الرسالة وعلى بعد آلاف الكيلومترات من مكان مولد ووفاة صاحب الرسالة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وفي مكان يتكلم اللغة الروسية وليست اللغة العربية.

وأول نسخة تمت طباعتها من الإنجيل والتوراه بواسطة الألماني يوهان جوتنبرج (مخترع آلة الطباعة الحديثة) كانت 1455 بعد أكثر من الف وأربعمائة عام من وفاة النبي عيسي صاحب الرسالة وفي مكان يبعد آلاف الكيلومترات من مكان مولد ووفاة النبي عيسى، وفي مكان يتكلم اللغة الالمانية وليست اللغة العبرانية لغة النبي عيسى، وأستغرق جوتنبرج 390 يوما في طباعة تلك النسخة، والتي تم طبع مائة نسخة منها فيما بعد.
ونحن اليوم نشاهد تزوير التاريخ أمام أعيننا (كما قلت) رغم توفر أدوات لا نهائية لكتابة وتدوين التاريخ، وكما يقال دائما: "التاريخ يكتبه المنتصرون"، فهل يمكن الرجوع لكتابة التاريخ الإنساني مرة أخرى بصورة حيادية، لا نريد أن يكتبه المنتصرون ولا أن يكتبه المنهزمون، ومن الأمثلة البسيطة التي أذكرها في تزوير التاريخ من قبل المنهزمين، هي أننا درسنا في المدرسة ونحن أطفالا بأن أهم أسباب هزيمة 1948 وضياع أرض فلسطين هو ما أطلق عليه "الأسلحة الفاسدة"، وأصبحت الأسلحة الفاسدة حقيقة ثابتة في التاريخ حتى وقت قريب، والآن بعد مرور أكثر من 70 سنة على هذه الهزيمة وبالرجوع إلى كل المصادر المختلفة ثبت أنه لم يكن هناك أسلحة فاسدة ولا غيره، ولكن كان هناك عطب في مدفع واحد لدى الجيش المصري إنفجرت قذيفته عند المدفع ولم تذهب إلى هدفها وهذا الحادث العرضي لم يسفر عنه أي ضحايا أو أصابات، ولكن تم تضخيمه بواسطة الصحافة وقتها وتضخم أكثر بعد إستيلاء الجيش المصري على حكم مصر سنة 1952 لكي يبرر الجيش أسباب هزيمته المشينة.
فهل هناك أمل في وجود مجموعة من علماء التاريخ المحايدين للإجتماع بهدف إعادة كتابة التاريخ الإنساني؟ وما هي الأدوات التي سوف يستخدمونها إن لم يجدوا وثائق مكتوبة؟ هل يمكن استخدام العقل والمنطق والبعد عن الهوى؟ وأي منطق سوف يستخدمون؟ هل يمكن استخدام منطق القرن الواحد والعشرين لتحليل أحداث حدثت في القرن الأول أو السادس الميلادي؟ وهل يمكن اعتبار أن ما كان منطقيا ومعقولا في تلك القرون القديمة يعتبر منطقيا اليوم؟
أسئلة كثيرة وصعبة وقد يكون أحيانا من رابع المستحيلات التوصل إلى إجابة، ولكن تصحيح التاريخ الإنساني يجب أن يكون هدف كل إنسان مخلص لعقله وإنسانيته، فنحن لا زلنا نقدر ونحترم بل ونقدس التاريخ الإنساني، لذلك تعالوا معي نركب آلة الزمن حاملين التليفون الموبايل لتسجيل بالصوت والصورة والفيديو حقيقة ما حدث منذ آلاف السنين، وإن لم نجد آلة الزمن فلنستخدم أعظم آلة لدينا ألا وهي العقل.