السيف في الثقافة العربية

كيف يكون الوقت كالسيف؟ هل هو حاد هل هو صديء هل هو يقتل، وكيف سوف يقطعني السيف؟ هل سوف يقطع رقبتي مثلا؟


فوددت تقبيل السيوف لأنها ** لمعتْ كبارق ثغرك المتبسِّمِ


بيض الصّفائح لا سود الصّحائف ** في متونهنّ جلاء الشّك والريب

بلا شك أن الوقت هو أثمن ما في الوجود، فالوقت هو حياتنا، فنحن نحيا عدة سنوات لو قارنتها بعمر كوكب الأرض تصبح لا شيء (أقل من غمضة عين) وإذا قارنت عمرك بعمر الكون يطلع صفر، وأغني ملياردير سواء بيل جيتس أو جيف بيزوس أو سليمان الحكيم، مهما أوتي من ثروة فلن يستطيع شراء يوم أمس، وبالطبع أول أمس يكون أصعب، حتى الثانية التي مرت من عمرك لن تستطيع إسترجاعها، إلا أذا كان لديك آلة الزمن والتي كتبت عنها رواية هربرت جورج ويلز.
كل هذا مقبول ومعروف، ولكن أن يعلمونا في المدارس ونحن أطفالا صغارا: "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك!" ففي هذه العبارة كلمتان تشكلان عقلية طفل "داعشي" السيف والقطع! تعلمنا هذه العبارة وحفظناها عن ظهر قلب حتى قبل أن نرى السيف، ثم أن العبارة لا معنى لها كيف يكون الوقت كالسيف؟ هل هو حاد هل هو صديء هل هو يقتل، وكيف سوف يقطعني السيف؟ هل سوف يقطع رقبتي مثلا؟
أنظر بالمقارنة، أهمية الوقت من المثل الشعبي المصري الجميل: "اليوم اللي يروح ما يرجعش".

كل هذا الشعر الذي تعلمناه في فترة المراهقة غرس في نفوسنا تقدير وتعظيم السيف والحرب وتحقير السلام والمفاوضات، واعتبار اللجوء إلى السلم هو دليل الضعف والخنوع

أما إذا جئنا للشعر، فحدث ولا حرج عند الكلام عن السيف، وسوف أضرب أمثلة للشعر العربي الذي تعلمناه وحفظناه في المدرسة ونحن في سن المراهقة، والأمثلة من أعظم شعراء العرب؛ أبو الطيب المتنبي وعنترة بن شداد العبسي وأبو تمام:
يقول أبوتمام في أشهر أبياته:
 السّيف أصدق إنباءً من الكتبِ 
في حده الحدّ بين الجدّ واللّعبِ
يبدو أن أبا تمام كان من جبهة الرفض وكان لا يؤمن بالسلام لأنه يرى أن الحرب هي أفصل وسيلة لإنهاء المشاكل مع الأعداء، والحرب هي الجد، أما السلام فهو اللعب! ولو عاش الشاعر حتى شاهد السادات يعقد معاهدة سلام مع إسرائيل لأعتزل الشعر ثم انتحر بالسيف لأن في حده الحد بين الجد واللعب.
ويقول أيضا أبوتمام:
أجبته معلناً بالسّيف منصلتاً 
ولو أجبت بغير السّيف لم تجبِ
وطبعا واضح بأن الشاعر كان ناصريا وآمن بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد ألا بالقوة.
أما عنترة بن شداد العبسي فكان حكايته حكاية، فقد أدخل السيف في كل شعره بما فيه شعر الغزل: فها هو يرسل رسالة على الواتس إلى حبيبته عبلة يقول فيها:
ولقد ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ 
مني وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي 
فوددت تقبيل السيوف لأنها  
لمعتْ كبارق ثغرك المتبسِّمِ
يعني هو في عز المعركة والسيوف تقطر من دمه تذكر حبيبته لأن لمعة السيوف ذكرته بابتسامتها، ما هذه الرومانسية التي تقطر دما، واضح إن عنترة كان ينافس أبو لمعة في المبالغة في القصص والحكي!

ويقول في موضع آخر:
أَحِنُّ إِلى ضَربِ السُيوفِ القَواضِب 
وَأَصبو إِلى طَعنِ الرِماحِ اللَواعِبِ
وَأَشتاقُ كاساتِ المَنونِ إِذا صَفَت 
وَدارَت عَلى رَأسي سِهامُ المَصائِبِ 
وَيُطرِبُني وَالخَيلُ تَعثُرُ بِالقَنا 
حُداةُ المَنايا وَاِرتِعاجُ المَواكِبِ 
تَطيرُ رُؤوسُ القَومِ تَحتَ ظَلامِها 
وَتَنقَضُّ فيها كَالنُجومُ الثَواقِب
أتخيل عنترة ينام على ظهره في الصحراء يحاول أن يعرف عدد النجوم في السماء الصافية، ولكن فجأة يأخذه الحنين إلى ضرب السيوف وطعن الرماح وسهام المصائب والرؤوس تطير في الظلام، يعني الشخص الطبيعي يحن إلى الحبيب أو إلى الأهل والأصدقاء، أو على الأقل يحن إلى ساندويتش فول وطعمية أو طبق كشري، ولكن يحن إلى طعن السيوف والرماح والسهام وطيران رؤوس القوم، فهذا خيال شخص مريض بالقتل، ويبدو أن الشاعر الشهير أبو تمام أيضا انضم إلى جبهة الرفض فها هو يقول:
بيض الصّفائح لا سود الصّحائف 
في متونهنّ جلاء الشّك والريب
فهو يكرر ما قاله المتنبي بأن السيوف أهم من الكلام،
وكل هذا الشعر الذي تعلمناه في فترة المراهقة غرس في نفوسنا تقدير وتعظيم السيف والحرب وتحقير السلام والمفاوضات، واعتبار اللجوء إلى السلم هو دليل الضعف والخنوع، وأن السيف يحل كل المشاكل وكل المسائل، لذلك لا تتعجبوا إذا ظهرت بيننا "داعش" أو "القاعدة" تقطع الرؤوس بالسيوف لأنها تحقق أحلام عنترة العبسي!