العسكر في مواجهة الحراك: البحث عن رمز مفقود

الدفع باللواء محمد قايدي إلى أعلى هرم المؤسسة العسكرية ربما يقلل من تهافت الانكسارات الصامتة التي شقت قلاع الجيش الجزائري.


ربما يعود "الساحر" من غيبته ويصعد إلى منصة الشارع


مثله مثل الجنود بمختلف الرتب الصوامت الذين لم تكتب تواريخهم بعد


صورتان محوريتان صنعتا للعسكر واجهة: المحو والظهور، الخفاء والتجلي

ظهر ثم أختفى وأخفوه.. ثم بعد ذلك أعادوه إلى ثالث منصب قوي في المؤسسة العسكرية. كان يدا غامضة حصدت رؤوس العصابة حتى لقب بـ "المنجل"، لا تعرف المساحات التي جال فيها وصال، وما هي الحدود والهوامش التي تحرك فيها بوصفه قوة ضاربة زلزلت فيما مضى الأرض تحت أرجل الإرهابيين، وتقدم الصفوف التي واجهت وصمدت أمام جحيم النار التي أتت على كل شيء.

ثمة مسارات توضع على الطريق لرجال لا تعرف هل خرجوا من الطين أو من الأرض سيان الأمر.. خطواتهم تغدو منسقة ومترابطة وفيه الكثير من البطء والتريث والحسابات، وحين تنكشف أقدارهم يسيرون نحو مصيرهم وهم مقتعنون تماما أن لا مجال للإنحراف والتزحزح لأنهم على الطريق السليم.

اللواء محمد قايدي رمز مفتقد أم مغيب

ذلك حال اللواء محمد قايدي، أنشق اسمه ضمن حراك صاخب هز عرش من حكموا الجزائر طيلة عشرين سنة، خرج كاللمع وطاف في المخيلة في المواقع وفي الصالونات وفي محركات البحث داخل النت وفي غيرها من الأمكنة رسمية عامة أو خاصة.. بدا كأنه الشخص المفتقد.. الرمز الغائب ضمن رموز أخرى يتزاحم بعضها للتموقع وأخرى تآكلت وصدأت ولم يعد لها أثر أو علامة ترى.. عسكري وإنسان كأيها إنسان جزائري أصيل، صورته التي غزت السوشاليل ميديا تظهره صارم وخجول وعميق.

حروب الإرهاب ومآسيها صنعت له كاريزما محارب أسبرطي، حتى وهو يتحدث في فيديو نادر أحتوته الحماسة والغضب، صار كمثل ذلك الساحر الذي يجذب مستمعيه إلى حلقته وهو يدرك أن أرصدته في التأثير ستبلغ مداها المقدس النبيل والتي قال أنها خلقت وضعا يتراوح على جبهتين: الحق والباطل.. الخير والشر.. الظلم والعدل.. إنها حكاية صراع أزلي مرتبك مقلق بين ثنائيتين.. بين أشخاص يعتقدون أنهم على هدى وغيرهم على ضلال ووجب قتالهم، وبين جبهة أخرى على نفس الخط ولكنها تتفيأ ظلال الواجب المقدس والإنضباط، ومطلوب منها الدفاع والمقاومة حتى لا تسقط البلاد في أتون الفوضى والتخريب والدمار.

منذ تلك اللحظة الجنونية التي مرت بها الجزائر، ومنذ تلك البدايات المحمومة بالتحدي وروح القوة والإندفاع في حرب كسيرة وتراجيدية، بات قايدي ذلك القائد الذي تحوم عليه الأسلئة الساطعة وسط الحراك: من هو؟ من أين جاء؟ كيف هو شكله؟ أسئلة ألتفت ودارت وترددت في الليل الطويل لجزائر أنتفضت هنا وهناك.

مثله مثل الجنود بمختلف الرتب الصوامت الذين لم تكتب بعد تواريخهم وما فعلوه في ميدان الموت لا يهابونه ولا يعرفون له وجها، تحولت تلك الأسئلة إلى برهة ومصير يصنعان في مخيال المجتمع، وتعجن رمزيتها وتلقي بها على الأرض بدون حسابات أو خلفيات، فهولاء الجنود هم خلف المجاهدين الذين كافحوا واستشهد الآلاف منهم في حرب غير متكافئة مع المستعمر الفرنسي، وبات في مقدورهم وهم يرون الجزائر بعدما كانت غارقة في سديم الموت والعبث أن يطمئنوا وتسجل بطولاتهم في رزنامة التاريخ والذاكرة.

ضباط وعساكر من طينة أخرى جبلو على الصبر والثبات، كانوا عتاة على الظلم والقهر تسمع أسماءهم أو ألقابهم ولا ترى صورهم إلا فيما ندر بل سقط بعضهم وبقيت فقط شواهد القبور حية وغريبة تنطق عنهم، بعد سنوات مؤلمة سيبرز هو من بينهم الأغنى والثري في المخيال، مفاجأة خارج السياق المعتاد في النظر للعسكر الموصوف بالإستبداد والقوة والتسلط، أرتسمت للساحر صورة أخرى أقرب إلى الضمير والقلب، حافظ للقرآن ومتقن للغات وفذ في التكنولوجيات، سهل ممتنع يمشي بين الناس.. والأهم أنه مثلما قهر فيما مضى الإرهاب ها هو قد مضى مثلما قيل وتردد في حصد رؤوس الفساد، مهمة أوكلت له أم لم توكل له المهم أنها نـَـفــذت وتغلغلت في وجدان الجميع وسيطرت عليه، حظي بعدها بلقطات مصورة تمر منخطفة وسريعة عليه، وبإحتشام مدورس تتعقبه وتُـقـتطع من تغطيات لأنشطة عسكرية رسمية.

عقيدة العسكر الصامتة

تلك هي الطريقة والأسلوب والمنهج المعمول به في الإعلام الرسمي والحكومي، ما هو مسموح به ولا يضر، وما ليس مسموح به ولا يغتفر أيضا، فلقد دأب العسكر في زمن ما على قلب الدنيا حالما تظهر بالخطأ صورة الشبح توفيق رئيس جهاز المخابرات سابقا في التلفزيون.. تتصدع الدنيا وفي أحسن الأحوال تسقط الرؤوس في صمت.

صورتان محوريتان صنعتا للعسكر واجهة.. المحو والظهور، الخفاء والتجلي.. الأسطورة والواقع، السكون والصخب، ظلال متخفية وراء الحجرات والستائر، والآمرين الناهين في كل حين وآن، البوصلة والإتجاه، من بيديهم الملكوت والبيان والقرار، غطاء ومعطف يخرج منه كل شيء، لا صوت يتمدد فوق سماءهم ولو كان خافتا.

وعلى الرغم من كل هذه الحقائق المتواترة عن العسكر حيث كما يقال عنه ويتردد بقي وحده الصامت الأكبر لا يلوح بسيفه جهارا بل يبقيه في الغمد، ويتحرك وفق قواعد مضبوطة ومحصورة ضاربة في عقيدة عسكرية تتدفق بين صفوفه عنوانها الأكبر: لا نتدخل في الشأن السياسي ولا نعرف الطريق إليه.

رافق هذا الوضع المعقد بناء الدولة الجزائرية من الإستقلال، وظلت العلاقة بين العسكري والسياسي مربوطة في عنق النظام، وكانت الغلبة فيها دوما لتوافقات بين عائلة العسكر وأبناء النظام الأوفياء، وحين يصل الصراع للذروة تنحل العقدة وتتبخر بمجرد همسة أو زلزلة من القوي المتين تأتي من غرف سرية للعسكر يعرفون كيف يتحكمون في درجة الخضة ويمتصون الإرتدادات ويضعونها في علب مغلقة.

لكن سرعان ما سيتلاشى هذا الهدوء والطمأنينة وتتفاقم حدة النظرة المريبة إلى المؤسسة العسكرية خاصة في السنوات الأخيرة، حيث لا أحد كان يتوقع أن يقاد رجالها إلى السجن وتخرج الأسماء القوية إلى العلن في قضايا فساد وإستغلال النفوذ، صحيح أن ما وقع أحدث الإرتباك والحيرة داخل المؤسسة وعالجتها بالكثير بالحكمة والإحتواء وأيضا بالأخطاء، ولكن هذه القضايا والترميمات المسكنة لها أخذت أبعاد أكبر من مجرد أخطاء قاتلة بل لطخت سمعة المؤسسة، ووضعتها ككل في سلة واحدة داخل شارع أنتفض ضد القهر والحقرة والفقر واللاعدالة والظلم وتحرك ضد كل أركان الدولة والنظام، وما لم يكن في الحسبان هو أن يفاقم تذمره وسخطه ضد الجيش والمخابرات.. فبعدما كانوا أبطالا ووقفوا إلى جانبه في الإعتداد بما يطلبونه ويطالبون به بل كانوا سدا منيعا وحماة لظهرانين المتظاهرين طيلة سنة أو أكثر، صاروا في مرمى نيران كاسحة وهجوم عنيف ونقد صارم وتجريح وصل حد التشهير، لم تعد تنفع مقولة: "الجيش خوا خوا". فالذين قالوا ذلك بالأمس أنكفئوا وصمتوا، وتصاعد صوت غريب مريب محسوب ودقيق: "الجنرالات في المزبلة" أو "المخابرات إرهابية".

كيف غدا الجيش الشعبي الوطني التسمية الوحيدة للمؤسسة في العالم (إلى جانب الصين) المستمدة من عمق الشعب ومن روحه، تسمية ليست طائفية ولا حكر على عائلة واحدة أو مذهب واحد ولا هي متعلقة بزعيم واحد أو ديكتاتور.. كيف غدا منكرا ومتصفا بمواصفات مشينة وغير قابلة للفهم.

صورة العسكر عن قرب

صورة درامية للمشهد وقاسية: أجيال جديدة لا سلطة لأحد عليها.. حين كان قايدي وغيره في معمان الحرب والدم والحديد، حين كان الحريق يشتعل في شوارع الجزائر ويتمسح الموت بظلال الطرقات والأحراش والقرى.. كان هؤلاء رضع أو في أعمار لا تسمح للوعي أن يكبر بين جنبات البيت الصغير للعائلات الخائفة من مصير مجهول يترقبهم ويقذف بهم إلى يوم لا يعرفون هل سيكونون من الأحياء أو الأموات.

مرة أخرى ما الذي ما صلّب الحراك حول العسكر ومخابراته؟ المفتنون بسحر الحراك وهوله وأهواله يرددون أن هذا مسار منطقي للرفض والتمرد وممارسات قيل أنها نبعت في ثكنات مظلمة وسرية، والطرف الآخر يقول في رواياته أنها خطط ومؤامرات ودسائس حيكت في مخابر داخلية وخارجية ودول وتنظيمات معادية للبلاد.

أصبحت المواجهة تنذر بالخطر، وأصبحت معها طرقات تلين الأعطاب والإنكسارات وتهدئة النفوس والأهواء صعبة ومستحيلة.. فلا النظام سيسلم بسهولة ولا الشارع المتشكل اليوم بملامح أخرى غير تلك التي ارتسمت في بداية الإنتفاضة أو الثورة أو الحراك سيستسلم.

ويبقى السؤال الأهم هو كيف سيعيد الجيش أو العسكر نصاعة صورته التي أنكمشت، بعد أن أزداد العداء المنتظم ضده فجأة وعاد الشارع إلى الشارع؟ كيف ستفلح البيانات أو التصريحات التي تصدر عن كيانات أوكلت لها مهمة الدفاع عن المؤسسة وهي عاطلة عن التفكير ومتبلدة وأخشوشنت مسامات جلدها، ومنبوذة، وأخرى لا وزن لها، كيف يتلقاها الشارع الآن؟.

لا بد أن ينزل العسكر ويتماس مع هؤلاء مباشرة، مع الإنسان البسيط، أو ذلك الشاب الخائف من غده المجهول، أو تلك المرأة التي تنزل اليوم وهي تحتضن العلم في رمزية مفعمة بالحب والخوف على مصير مبهم يترصد بأنيابه القاسية، لا بد للعسكر أن يبدأ في تأليف علاقة جديدة وتفاعلية دون وسيط، لا بد من حوار بسيط وشعبي تقوده نخب العسكر، لا بد أن يحدث إنقلاب ناعم في الطرح والتصور لفهم المستعص من المشاكل والهموم، وفوق كل هذا يجب على العسكر أن ينقذ الحراك من تيهانه الدوار والمتعب والممل.

كان الرئيس تبون في بداية حكمه يأمل في الدفع باللواء قايدي إلى أعلى هرم المؤسسة العسكرية بعد وفاة قايد صالح، ربما رأى فيه وجها رمزيا بارزا يمكنه أن يقلل من تهافت الإنكسارات الصامتة التي شقت قلاع الجيش، ويمكنه أن يجلس مع أي شاب يتقاسم معه قهوة مـرّة مثلما يتناولها يوميا في أي مقهى شعبي ويحكي معه عن الفوتبول وهموم الحياة ومشاغل الدنيا، ولكن حلمه أنحسر لأن شروط ذلك لم تكن متوفرة، ومواجهة صقور الجيش ليس بالأمر الهين أو السهل، والرهان الأكبر اليوم هو من سيوقف حراك عنيد.. ربما يعود "الساحر" من غيبته ويصعد إلى منصة الشارع ويلهمه أفق ومخارج من فتنة التيه الطويل.