حرية حب الاستطلاع وحرية التجربة والخطأ

ما الذي جعل فاسكو دي جاما يدور حول العالم لكي يكتشف طريقا جديدا حول رأس الرجاء الصالح بدلا من طريق الحرير الذي كان يصل الشرق بالغرب؟


اكتشفت سر تقدم الحضارة الغربية في النواحي العلمية من تجربة طفلة عمرها ثلاث سنوات


لا تؤجل عمل اليوم للغد، أجله إلى ما بعد الغد

من الأقوال الشائعة في البيروقراطية المصرية العتيقة: "لو أشتغلت كثير فسوف تغلط كثير، فلن تترقى في وظيفتك، أما اذا لم تشتغل فلن تغلط أبدا فسوف تترقى"!
والكلمة المشهورة : "فوت علينا بكرة" كل الهدف منها هو عدم العمل اليوم وتأجيل العمل للغد، على أمل أن هناك احتمالا ألا يكون هناك عمل غدا أيضا، فالهدف من تلك المقولة ليس فقط عدم العمل اليوم، ولكن فتح احتمال كبير ألا يكون هناك عمل "بكرة" أيضا، وعندما يأتي الغد، سوف نقول أيضا القول المأثور: "فوت علينا بكرة"! والمثل القائل: "لا تؤجل عمل اليوم للغد" قمنا بتعديله لكي يصبح: "لا تؤجل عمل اليوم للغد، أجله إلى ما بعد الغد"! وكل هذا التأجيل الهدف الرئيسي منه هو تجنب الخطأ "وربنا ما يجيب غلط"!

شجعوا أولادكم على حب الاستطلاع وحب المغامرة، شجعوهم على الفشل والتجربة والخطأ، فمن المعروف أننا نتعلم من أخطائنا أكثر كثيرا من تعلمنا من نجاحاتنا

أول امس قمت بعمل عزومة إفطار لأسرة أميركية جميلة انتقلت حديثا من ولاية ألاباما إلى الحي الذي أسكن به في ولاية فلوريدا، والأسرة مكونة من أب وأم وثلاثة أطفال: فتاه عمرها ٨ سنوات وولد عمره ٥ سنوات وبنت صغيرة عمرها ٣ سنوات، وقد عملت لهم إفطارا مصريا: فول مدمس بالطماطم والبصل وزيت الزيتون، ثم بيض بالبسطرمة، وطبق جبنة بيضاء بالطماطم وزيت الزيتون وعيش بلدي، وكان الأب والأم سعداء، وفي منتهى الحماس لتجربة الأكل المصري، أما الأطفال فقد أحضرت لهم أكل أميركاني كورن فليكس بالحليب وجبنة شيدر ومربة فراولة وعيش توست، وأثناء اكلنا نحن الكبار البيض بالبسطرمة كنّا نضع ملحا وفلفلا عليه، ورأيت البنت الصغيرة "جريس" ذات الثلاث سنوات (كنوع من تقليد الكبار) تطلب من أمها وأبيها أن تضع ملحا وفلفلا على طبق الكورن فليكس بالحليب (وهو كما معروف الكورن فليكس به الكثير من السكر)، وكانت مفاجأة بالنسبة لي بأن الأب والأم لم ينهرا البنت الصغيرة وتركاها تجرب، ووضعت كمية لا بأس بها من الفلفل والملح على طبق الكورن فليكس بالحليب، ورأيت التعبير على وجه الصغيرةـ وهي تحاول أن تستسيغ طعم أكلة بها سكر مع ملح وفلفل، وجربت ملعقتين ولكنها توقفت وأقتنعت بفشل "التجربة" وتوقفت عن الأكل وكانت في غاية من الحرج، وفوجئت أيضا بأنه لا الأب ولا الأم قاما بتوجيه أي توبيخ لها، ولم تكمل أكلها، وأنا واثق أنها قامت من على طاولة الطعام، وهي نصف جائعة أو نصف شبعانة! وقامت بإلقاء طبق الكورن فليكس بالحليب والفلفل والملح في الزبالة من "سكات"!
وأقول لكم الحق أخذت أتخيل لو حدث هذا المشهد في أسرة عربية، فباديء ذي بدء، لن تسمح الأم لطفلة عمرها ثلاث سنوات بأن تأكل بنفسها، ولكن الأم تقوم بتزغيط الطفلة حتى مرحلة ما بعد الشبع، ولو تجرأت الطفلة وطلبت وضع ملح وفلفل على الكورن فليكس بالحليب، لكانت مثار سخرية الأسرة كافة وكانت أول تعليق من الأب: "أنتي هبلة يا بنتي يا حبيبتي"؟ ولو حدثت معجزة وكانت الأسرة غاية في التحضر ووافقوا على إضافة الملح والفلفل إلى الكورن فليكس، وفشلت التجربة بالطبع، فكانت الجلسة سوف تتحول إلى مباراة في تأنيب البنت المسكينة، "مش قلت لك انك هبلة"، "طيب ايه رأيك دلوقتي لا بد تأكلي الخلطة دي غصبا عنك"!
والحقيقة وأنا في سني هذا أول أمس اكتشفت سر تقدم الحضارة الغربية في النواحي العلمية من تجربة طفلة عمرها ثلاث سنوات، فالحضارة الغربية بأكملها تم بناؤها على تجربة إضافة فلفل وملح إلى الكورن فليكس بالحليب، ليس هناك حدود للتجربة وليس هناك حدود للخطأ طالما لن تؤذي نفسك أو تؤذي الآخرين بشكل كبير.

ما الذي يجعل تشارلز داروين وهو شاب في العشرينيات من عمره يترك إنجلترا بكل رفاهيتها لكي يركب مركبا ويصاب بدوار البحر لأيام وشهور لكي يصل إلى جزر نائية في المحيطات ليس بها أي وسائل معقولة أو مقومات للحياة لكي يدرس النباتات والحشرات والحيوانات ويحاول أن يعرف كيف بدأت الحياة على الأرض بشكل علمي؟
ما الذي جعل فاسكو دي جاما يدور حول العالم لكي يكتشف طريقا جديدا حول رأس الرجاء الصالح بدلا من طريق الحرير الذي كان يصل الشرق بالغرب؟
ما الذي جعل المهندس الفرنسي فرديناند ديليسيبس يفكر في ربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، ويتفوق على فاسكو دي جاما، ويقرب المسافة بين الشرق والغرب إلى أقل من النصف بشق قناة السويس؟
ماالذي جعل كريستوفر كولمبس يتجه لاكتشاف عالم جديد تماما في الأميركتين؟ النكتة المصرية تقول إنه كان متجها إلى الهند وبالخطأ توقف في الإسكندرية وسأل شابا اسكندرانيا عن أقصر الطرق إلى الهند، فوصف له الشاب السكندري أن يتجه غربا وصدق كولمبس كلامه وأتجه غربا وبالطبع تاه ووجد نفسه يكتشف أميركا بالخطأ،
لقد ظل رأس أبو الهول ظاهرا، بينما باقي الجسم كان مدفونا تحت الرمال لما يقرب من أربعة آلاف سنة، ولم يفكر أي من غزاة مصر السابقين من فرس أو أغريق أو رومان أو عرب أو حتى أهل البلد الأصليين أحفاد الفراعنة من أن يحفروا حول هذا الرأس العجيب، حتى جاء نابليون ومعه علماء الحملة الفرنسية في أوائل القرن التاسع عشر إلى مصر وبدأوا بالحفر حول رأس أبوالهول واكتشفوا باقي الجسم، والتمثال له وجه إنسان وجسم أسد، لم يوجد أي نوع من حب الاستطلاع عبر آلاف السنين لدى أهل البلد لكشف ما وراء رأس أبوالهول.
الرحالة والكشافة الأوروبيون من إنجلترا وأسبانيا والبرتغال أكتشفوا مجاهل أفريقيا ومنابع النيل ونهر الأمازون، ليس لأي شيء إلا لأنه كان لديهم حرية حب الاستطلاع وحرية التجربة وعدم الخوف من الفشل، وبالطبع هم مهدوا بعد ذلك لاستعمار تلك البلاد بالجيوش والأساطيل،
أذكر أننا قد تربينا على الخوف، الخوف من السلطة ابتداء من سلطة الأب وانتهاء بسلطة الحكومة، كانت الأم أو الأب لكي يخيف أولاده يقول لهم سوف أحضر لكم العسكري أو أبو رجل مسلوخة وأمنا الغولة والعفاريت، وكذلك تربينا على أنه: "من خاف سلم"!
الخوف من الفشل لا يزال يصحبني حتى اليوم، الخوف من فشل في العمل، الخوف من فشل في الحب، الخوف من فشل في علاقات جديدة.
شجعوا أولادكم على حب الاستطلاع وحب المغامرة، شجعوهم على الفشل والتجربة والخطأ، فمن المعروف أننا نتعلم من أخطائنا أكثر كثيرا من تعلمنا من نجاحاتنا.
شجعوا أطفالكم دون خوف على وضع ملح وفلفل على طبق المهلبية بالقشطة.