صخب السوشيال ميديا كوسيط إبداعي

الروائية البريطانية زادي سميث ترى في استخدامها لمواقع التواصل الاجتماعي تهديدا لكتاباتها.


الكاتب لم يعد قادرا على مواصلة الكتابة دون الالتفات لصخب السوشيال ميديا


محسن يونس يرى أن نشر الإبداع فى وسائل التواصل بات مغريا، ولا يكلف إلا رفع المادة عليها


لنا عبدالرحمن تعتبر أن وسائل التواصل ساهمت في الانتشار وتقريب المسافات على المستوى الإبداعي

قصد مارك زوكر بيرج مبتكر “الفيس بوك” أن يكون الهدف من موقعه تقديم  صورة موازية لعلاقات البشر الواقعية في الفضاء الالكترونى، وقد نشأت شبكات التواصل الاجتماعي أصلا  كوسائل للإخبار والتواصل والحوار، وبالرغم من أنها لم تكن وسيلة نشر ذات مصداقية، إلا أن تأثيره امتدّ إلى جميع مجالات الحياة، ومنه الجانب الثقافي والإبداعي،  وحول هذا الجانب  تحديدا دار جدل كبير، فهناك من يتهمها بإهدار قيمة الفكر والإبداع، وعلى النقيض من هؤلاء نجد من يرى في السوشيال ميديا حلا لأزمات النشر وتحقيقا لديمقراطية الثقافة.
ولم يقتصر هذا الجدال على عالمنا العربي، فالروائية البريطانية زادي سميث ترى في استخدامها لمواقع التواصل الاجتماعي تهديدا لكتاباتها، وتقول إن تلك المواقع بردود أفعالها الفورية تشكل على المستوى الشعوري لها ككاتبة نوعا من المصادرة للفضاء الإبداعي. ومثلها الروائي الأميركي جوناثان فرنزن، وهو القائل "لا أعتقد أن أي كاتب له علاقة بالفيس بوك يمكن أن يقدم نصا جيدا"، كما وصف تويتر بأنه "الوسيط الأكثر لا مسؤولية وعدو الكتابة والقراءة الجادة، وأنه لا يمكن ذكر الحقائق  أو الدخول فى حوار جاد عبر حيز لا يزيد عن مائة وأربعين حرفا"، وأكد أنه يشعر بالقلق على القراء والكتاب الجادين  بسبب استخدامهم تلك المواقع.

المبدع الذي ينشر عملاً فى إحدى الدوريات الثقافية يحرص على إعادة نشره، أو الإشارة إليه على صفحته بالفيس بوك أو تويتر، الأمر الذي يدفع القارئ إلى قراءة النص المنشور على الموقع، أو شراء المجلة المشار إليها

تزييت العجلات
عن هذا الجدل كتب الروائي السوري خليل صويلح الحاصل على جائزة الشيخ زايد للكتاب العام الماضي: إن وسائل التواصل الاجتماعي فرضت نفسها على العملية الإبداعية، فالكاتب لم يعد قادرا على مواصلة الكتابة دون الالتفات لما سماه "صخب السوشيال ميديا"، كما أن كتابة رواية عن شوارع اليوم بكل عنفها وصخبها وغرائزها، دون الاشتباك مع وسائل الميديا الجديدة بوصفها عناصر مؤثرة في أفعال شخصيات الرواية، تعني انتظار عبور قطار على الفحم في محطة مترو". موضحا أن اقتحام “فيسبوك” أو “تويتر” أصبح أمرا  ضروريا للمتن الروائي لتزييت عجلات السرد بوقائع ومنعطفات تختزل المسافة بين الشخصيات، لجهة التلاقي أو الافتراق.
أما الروائي المصري محسن يونس فيرى أن نشر الإبداع فى وسائل التواصل بات مغريا، ولا يكلف إلا رفع المادة عليها، وحتى إن لم يقم بتنبيه الآخرين إليها، فهم سوف يلتقون بها حتما خلال تجولهم فى فضاء الشبكة. وعن تجربته في استخدام الفيس بوك يقول إن نشر الإبداع عبر هذه الوسائل لا يحقق الكثير من طموح الكاتب ففي كثير من الحالات، يتم وضع علامة الإعجاب من باب المجاملة، أو تبادل الإعجاب بالنصوص، ربما دون قراءة ما هو منشور، كما أن قارىء صفحات هذه المواقع ملول بطبعه، لا يمكن أن يصبر على قراءة قصة حتى وإن لم تكن طويلة، وإذا وجد القارىء – وهو غالبا من أصدقاء الكاتب – فهو لا يقدم  مناقشة تتصل بالنقد إلا فى نادر النادر، وغالبا سوف تجد نفسك غارقا فى بحر من المجاملات.
ويضيف: فى اعتقادي الأمر يحتاج إلى سنوات لتكوين قاعدة عريضة من القراء يمكن الاعتماد عليها لتلقي الإنتاج الأدبي والثقافي الذي ينشر بهذه الطريقة، المسألة تحتاج إلى محو الأمية كاملة، وامتلاك أفراد شعبنا لأجهزة الكمبيوتر، وخطوط النت في كل بيت، والاعتماد على نفير لا يهدأ من الدعاية والترغيب في استعمال هذه الصفحات لتحصيل الثقافة والفن، أعتقد أن شكل المجتمع وقتها سوف يتغير كليا، لكن التحول بدأ فعلا، ونرى آثاره خاصة على الصحافة، حيث بدأت بعض الصحف تعلن عن هجرانها التعامل مع الورق.

الروائية والناقدة د. لنا عبدالرحمن تعتبر أن وسائل التواصل ساهمت في الانتشار وتقريب المسافات على المستوى الإبداعي، وقراءة نصوص لكتاب لا يمكن الحصول على إبداعاتهم إلا من خلال انتظار معارض الكتب لعدم توفرها، لكن على مستوى آخر لا بد من التعامل بحذر مع كل هذه الوسائل. تقول: لا أعتبر نفسي نشطة أو متفاعلة مع الفيسبوك، وليس لي حساب على تويتر، وأرى أن أي وسيلة تواصل اجتماعي يشبه الخروج إليها الوقوف على شرفة في الشارع، وكما أنه لا يمكننا أن نقف ونصرخ ونقول ما نريد من شرفة يمر أسفلها كل عابر، كذلك هي وسائل التواصل متاحة للجميع لقول ما يريدونه، وهذا كما أرى قد يسبب تشويشا للكاتب الذي يحتاج إلى مساحته الخاصة، مع مسافة مريحة تبعده عن أي لغط قد يسمم قدرته على الكتابة.
ويرى الشاعر المصري مؤمن سمير أن أي ظاهرة لها جوانبها المتفاوتة، سواء الناجحة أو الفاشلة، وبالنسبة للسوشيال ميديا فهو لا ينكر أنها نجحت في لفت الانتباه إلى مبدعين جدد حيث أفرزتهم الحرية ونطاقاتها، وهو يرى أن مساحات الحرية التي تتيحها تلك الوسائل تشكل محفزا حقيقيا على الإبداع، كما أن ما يصفه بلعبة التدوينات المغرية بالكتابة وإعادة الكتابة، وكذلك معاينة رد الفعل المباشر والسريع للنص المنشور، والتفاعل الفوري معه تشجع المبدعين – الذين انصرفوا عن ساحة الإبداع  غالبا لضيق فرص النشر – على العودة واستئناف مشروعاتهم، وعلى الجانب الآخر نجد السوشيال ميديا أضرت حينما تم استغلالها في الترسيخ لمبدعين بلا مشاريع وروجت لنصوصهم الضعيفة، لأنهم يجيدون استخدام مزاياها، فظلمتهم من حيث أسعدتهم بالإعجابات والقلوب الحمراء لكنها في نفس الوقت حاصرتهم، وأيضا حصرتهم في كهفها وقد لا يغادرونه أبدا.
ضحايا القرصنة
بينما يرى ماهر عبدالمحسن الناقد وأستاذ علم الجمال بجامعة القاهرة، أن وسائل التواصل أتاحت الفرصة للكثير من المواهب الشابة لنشر أعمالها دون الدخول فى إجراءات النشر المعقدة، ودون حاجة إلى مال أو علاقات شخصية، على نحو ما يحدث فى السابق، قبل ظهور هذه الوسائل، بل أن هذه الوسائل أتاحت الفرصة للمبدعين الكبار أيضاً، الذين لا يجدون صعوبة في النشر، لكن يحتاجون إلى مزيد من القراء ..هذا عن الإيجابيات، أما عن السلبيات فأهمها فتح الباب لأشباه الموهوبين، وللموهومين لنشر أعمالهم الضعيفة ولغتهم الركيكة دون ضابط أو رابط، ومن السلبيات الكبيرة وقوع الموهوبين الحقيقيين ضحية للقرصنة وسرقة أعمالهم. وفي كل الأحوال، فإن إيجابيات النشر على مواقع التواصل أكثر من سلبياتها، فهي وسيلة مرنة وسريعة، تمنح المبدع ميزة التواصل الفورى مع الملتقي، حيث تتيح النشر في ثوان، والتفاعل مع المادة المنشورة في ثوان كذلك.
وينفي عبدالمحسن إمكانية تأثير النشر على مواقع التواصل يؤثر بالسلب على المجلات الثقافية، بل على العكس، فهو من شأنه أن يدعمها ويعمل على الترويج لها، فالمبدع الذي ينشر عملاً فى إحدى الدوريات الثقافية يحرص على إعادة نشره، أو الإشارة إليه على صفحته بالفيس بوك أو تويتر، الأمر الذي يدفع القارئ إلى قراءة النص المنشور على الموقع، أو شراء المجلة المشار إليها. (وكالة الصحافة العربية)