عوني عبدالرؤوف يرى الغابات اللغوية من قمة جبل

العالم الكبير الراحل الدكتور محمد عوني عبدالرؤوف لم يتخلف عن اجتماع واحد للجنة الدراسات الأدبية والنقديية طالما كان موجودًا في مصر.


ذكريات في العين وعلى مائدة لجنة الدراسات الأدبية واللغوية


الترجمة في بعض الدول العربية تصنع صخبًا فقط

على امتداد سنوات عشر أو يزيد، كنت ألتقيه مرتين كل شهر على مائدة لجنة الدراسات الأدبية واللغوية بالمجلس الأعلى للثقافة في ساحة دار الأوبرا بالقاهرة، فعلى الرغم من أن عمره قد تجاوز التسعين هذا العام إلا أنه كان من أحرصنا على حضور اجتماعات هذه اللجنة المعنية بوضع التصورات ورفع التوصيات المتعلقة بأمور اللغة التي تجمعنا، والإبداع الذي تنتجه هذه اللغة في أوساط العامة والمثقفين والأدباء والشعراء ودارسي اللغة والأدب أيضًا.
ويمكنني الجزم بأن العالم الكبير الراحل الدكتور محمد عوني عبدالرؤوف لم يتخلف عن اجتماع واحد لهذه اللجنة طالما كان موجودًا في مصر، سواءً في عهد رئاسة الدكتور أحمد درويش لهذه اللجنة أو في عهد الدكتور السيد فضل.
ولأن أقدار العلماء محفوظة، فقد كنا جميعًا ندرك قيمته بين هذه الأسماء التي زاملته أو التي تتلمذت عليه ومنها: الشاعر فاروق شوشة، والشاعر ماجد يوسف، والدكاترة: حسين نصار، ومحمود علي مكي، والطاهر أحمد مكي، ومحمد حمدي إبراهيم، وعز الدين إسماعيل، ومحمود فهمي حجازي، وصلاح فضل، وعبده الراجحي، ومحمد زغلول سلَّام، ويوسف نوفل، وأحمد كمال زكي، ومصطفى مندور، وأحمد كشك، وعبدالحميد مدكور، ومحيى الدين محسب، ومحمد يونس عبدالعال، وفوزي عيسى، وغرَّاء مهنا، ومحمد علي سلامة، ومحمد زكريا عناني، ومحمد العبد، وعلاء عبدالهادي، وعلاء رأفت، وعبدالمرضي عبدالمحسن، ونادية جمال الدين، وكرمة سامي، وهيثم الحاج علي، وجمال الشاعر، وأحمد بلبولة، وأيمن ميدان، وشريف الجيار، ورانيا فتحي، وحافظ المغربي، وعبدالناصر هلال، ومحمود الضبع، وعبدالرحيم الكردي، المقرر الحالي للجنة. 
ولكن المناسبة الأهم التي زاملت فيها العالم الكبير الدكتور عوني عبدالرؤوف ترد في ثنايا هذه الشهادة القصيرة عنه التي حررها الشاعر والناقد الدكتور محمد أبوالفضل بدران، الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للثقافة، والمقرر الحالي للجنة الشعر به، ونائب رئيس جامعة جنوب الوادي، وفيها يشير إلى أنه التقى الدكتور عونى عبدالرؤوف في بون بألمانيا، وكان قد حضر إليها في زيارة علمية، وتناولا العشاء معًا في مطعم يطل على حديقة "هوف كارتن" التي تعد امتدادًا لجامعة بون.
وقد  كان الحوار بينهما مثمرًا فالرجل عالم كبير ملم بالأدبين العربى والألمانى، متبحَّر فى التراث العربى وفي علوم اللغة، مع إجادة مشهودة للغة الألمانية، ولذا فقد كان جل حديثه عقد المقارنات اللغوية بين العربية والألمانية.

ويضيف الدكتور بدران بأن علاقته بالدكتور عوني توطدت أثناء الفترة التي تولى فيها بدران منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، وكان الدكتور عوني عضوًا بإحدى لجانه، فتعاون معه في التخطيط لعدة ندوات ومؤتمرات.
ويوضح أن علاقات الدكتور عوني عبدالرؤوف كانت وطيدة بالمستشرقين الألمان؛ ولعل ذلك راجع إلى دراسته في جامعتي: جوتنجين، وميونخ، فضلًا عن إفادته من دراسته للغات السامية، وقدرته على فهم الأصوات والإيقاع الشعري في اللغات.
ويضيف: لذلك كله فقد تشرفت بدعوتُه للمشاركة في "مؤتمر ألمانيا والعالم العربى" الذي توليت مهمة تنظيمه بجامعة الإمارات العربية المتحدة بمدينة العين، حينما كنت أعمل أستاذا بها، وكان بحثه من أهم البحوث التي أُلقيت فيه؛ وقد تناول فيه جهود المستشرقين الألمان اللغوية، وكانت حواراتنا لا تتوقف فى واحة النخيل.
لقد أفاد الدكتور عوني عبدالرؤوف كثيرًا من دراسته العميقة للغة العربية وآدابها مع اللغات السامية واللغة الألمانية فرأى الغابات اللغوية من قمة جبل، لا من تحت شجرة في غابة وحيدة، فجاءت رؤاه جديدة طازجة. 
وهنا لا بد من أن أذكر أنني دعوت الكاتب الصحفي مصطفى عبدالله ليلقي بحثًا في هذا المؤتمر الدولي حول "الصحافة الثقافية العربية في ألمانيا.. مجلة فكر وفن أنموذجًا".
وتعيدني شهادة بدران إلى العديد من الأنشطة الثقافية والعلمية التي تألق فيها الدكتور عوني عبدالرؤوف، ومنها "مائدة دراسة الواقع اللغوي في الجامعات المصرية" التي أعد لها الدكتور السيد فضل وقت أن كان مقررًا للجنة الدراسات الأدبية واللغوية بالمجلس الأعلى للثقافة، الذي كشف أن واقع الدراسات اللغوية في جامعاتنا في أسوأ حالاته، ولا نستطيع أن نفعل ربع ما فعله شيوخنا القدامى، أو نستطيع مواكبة العصر الحديث؛ وقد وصل بنا الأمر إلى أنه بات من العسير علينا الاهتداء إلى مدقق لغوي يكافئ المدقق اللغوي في اللغات الأجنبية، كما لا يوجد لدينا في العربية برنامج يحول الـ PDF  إلى WORD ولا يزال برنامج الترجمة الآلية إلى العربية في أسوأ حالاته مقارنة بالترجمة عبر اللغات الأخرى!
 فالواقع اللغوي أسوأ مما نتصور.
وعلى تلك المائدة صرًّح العالم الكبير الراحل الدكتور محمود فهمي حجازي، الحائز على جائزة الملك فيصل العالمية، بأن الترجمة في بعض الدول العربية تصنع صخبًا فقط، في حين أن أحد تلاميذه وتلاميذ الدكتور محمد عوني عبدالرؤوف أنجز بمفرده، ترجمات رصينة لعشرين مرجعًا مهمًا في علوم اللغة، وهو الدكتور سعيد بحيري.
ولا تعيدني من مرفأ الذكريات الدافئة مع الدكتور عوني عبدالرؤوف سوى نعي الدكتور علاء عبدالهادي، الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، بأن النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر فقدت رئيسها الفخري الدكتور عوني عبدالرؤوف، ويتوالى طوقان التعازي التي عبَّر فيها كبار المبدعين والأكاديميين المصريين عن حزنهم لفقد هذا العالم الجليل، وتقديرهم له ومنهم الدكاترة: أحمد درويش، والسيد فضل، ونادية جمال الدين، فضلًا عن: الدكتور ماجد الصعيدي، والدكتورة إيمان السعيد اللذين أعدا كتابًا تذكاريًا عن محمد عوني عبدالرؤوف من باب وفاء أساتذة كلية الألسن لأستاذهم الذي تتلمذوا عليه.
ويمكن أن أضبف إليهما الدكتور نعيم أمين طلبة الذي سبق أن أعد بحثًا في المؤتمر العلمي الدولي بكلية الألسن حول "جهود الدكتور عوني في التأريخ للترجمة إلى العربية"، أشار فيه إلى أنه نجح خلال مسيرته العلمية، في الجمع بين الثقافات الشرقية؛ العربية وأخواتها الساميات، وبين الثقافات الأوروبية متمثلة في الألمانية. وذلك بفضل تكوينه العلمي في قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة التي حصل منها على الليسانس سنة 1951، ثم دراسته في معهد اللغات الشرقية (فرع اللهجات العربية) بجامعة القاهرة، وحصوله على دبلوم يعادل الماجستير في سنة 1954.
 ثم سفره إلى ألمانيا، وحصوله على دكتوراه الفلسفة في اللغات السامية من كلية الفلسفة بجامعة جوتنجن سنة 1965 بإشراف المستشرق الألماني الكبير ألبرت ديتريش، وكان موضوع رسالته للدكتوراه "كتاب القوافي لأبي يعلي التنوخي، تحقيق ودراسة".
ومن هنا كان اهتمامه بالترجمة بين هذه اللغات، وإنجازه ترجمة عدد من الأعمال المرجعية المهمة إلى العربية، استكمالاً لاهتماماته في تفعيل الحوار بين تلك الثقافات. 

The departure of writers
كتاب تذكاري

ويكشف لنا الدكتور ماجد مصطفى الصعيدي، الأستاذ بقسم اللغة العربية بكلية الألسن أن العالم الدكتور عوني عبدالرؤوف (1929 – 2020) أتم، مساء الخميس الماضي، عمله في آخر بحوثه العلمية، وفي صباح الجمعة كان قد أسلم روحه الطاهرة إلى بارئها بعد حياة أكاديمية حافلة، وعطاء علمي غزير في مجالات اللغة والأدب والحضارة.
فهو أحد أعلام الدراسات اللغوية في مصر والعالم العربي، وأحد العلماء المعدودين في فقه اللغات الساميَّة على المستوى الدولي، وصاحب الدور البارز في إقامة الصلات العلمية بين الثقافتين: العربية والألمانية. 
فقد نجح في الجمع بين الثقافات الشرقية والأوروبية. وقام بجهود استثنائية في التعريف بمدرسة الاستشراق الألماني وتسليط الضوء على أبرز أعلامها، بعد اتصاله المبكر ببيئة الاستشراق الألماني والتتلمذ على كبار المستشرقين الألمان، ومنذ عام 1965 لم تنقطع صلاته العلمية بدوائر الاستشراق الألماني وأعلام المستشرقين الألمان، باحثًا وأستاذًا زائرًا وعضوًا في قنوات علمية مشتركة مع جامعات ألمانية، وعضوًا في جمعية المستشرقين الألمان. وكان حصوله على جائزة فريدريش ريكرت من ألمانيا عام 1986 تتويجًا لجهوده في هذا المجال. 
ويشير الدكتور ماجد إلى أن مؤلفات الدكتور عوني مراجع أصيلة ورائدة في مجالها تنهل منها أجيال الباحثين لأنها تحتفظ بقيمتها العلمية المتجددة. ومنها كتابه عن المستشرق الألماني ريكرت بعنوان: "فردريش ريكرت .. عاشق الأدب العربي" 1974، وكتابه الضخم: "جهود المستشرقين في التراث العربي بين التحقيق والترجمة" في ثلاثة مجلدات. 
وفي مجال الترجمة جاءت ترجماته لأعمال المستشرقين في سياق اهتمامه بقضايا الترجمة منذ وقت مبكر. ولعل أحد أهم تجاربه في الترجمة من الألمانية، مشاركته لزميله الدكتور محمود فهمي حجازي (وآخرين) في ترجمة موسوعة "تاريخ الأدب العربي" للمستشرق الألماني كارل بروكلمان، ومراجعته الترجمة العربية لـ "ملحمة جلجامش" - التي أنجزها صديقه الدكتور عبدالغفار مكاوي عن الألمانية - على الأصل الأكدي.
ومن أحدث أعماله في هذا المجال ترجمته الرائعة لكتاب المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه "الله ليس كمثله شيء" (2010)، و"يوميات إيجناس جولدتسيهر" (2016).
وهو لم يكتف بذلك، بل أعاد نشر كتب التراث العربي التي حققها مستشرقون ألمان؛ ومن ذلك نشره لكتاب "الفهرست" لابن النديم بتحقيق المستشرق الألماني الكبير جوستاف فلوجل، وقد قام بترجمة مقدمة المحقق الألماني وتعليقاته على النص العربي.
ولأن كلية الألسن هي امتداد لمدرسة الألسن التي أسسها الطهطاوي عام 1835، ولأن الدكتور عوني أحد الأساتذة الكبار الذين أسسوا الألسن الحالية لتصبح إحدى كليات جامعة عين شمس (في 20 ديسمبر/كانون الأول 1973)؛ فكان من الطبيعي أن ينشغل هذا الأستاذ الكبير بنشاط الترجمة في العربية قديمًا وحديثًا، وبدور الألسن مدرسةً وكليةً جامعية في تاريخ الترجمة وفي تطور علم الترجمة في اللغة العربية خاصةً.
ولكن سيظل اثنان من مؤلفات الدكتور عوني عبدالرؤوف علامتين مضيئتين لأجيال الباحثين في مجالات الدراسات اللغوية والأدبية والحضارية، هما: كتاب "بدايات الشعر العربي بين الكم والكيف" (ط1 1976، ط2 2005)، وكتاب "القافية والأصوات اللغوية" (ط1 1977، ط2 2004).
ولا يمكن الإحاطة بإنجازه في كلمات قليلة، لكن في عام 2008 أتيحت لنا فرصة لتقديم تحية عرفان وامتنان لأستاذنا العظيم، لعطائه العلمي والإنساني الوافر، عندما قمنا بإعداد كتاب تذكاري تكريمًا له بمناسبة بلوغه الثمانين، حمل عنوان "في اللغة والأدب والحضارة"، وقد شاركتني في تحريره الزميلة الدكتورة إيمان السعيد جلال، وأسهم بالكتابة فيه نخبة من زملائه وتلاميذه ومحبيه في الجامعات المصرية والعربية، وفي جامعات ألمانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة الأميركية، وصدر عن مركز اللغات الأجنبية والترجمة التخصصية بجامعة القاهرة في إطار احتفال الجامعة بمئويتها.
فإذا كان رحيل أستاذنا عوني عبدالرؤوف خسارة فادحة على المستوى الأكاديمي والإنساني، فإن إنجازه العلمي سيظل باقيًا لأجيال قادمة.