كانت أيام حلوة يا كفراوي.. خسارة.. كانت أيام حلوة

سعيد الكفراوي جُبِلَ ليحكي، ومات بعد أن فقد وليفه، فاعتلت صحته ولم يستطع الاستمرار في مقاومة المرض فمات.


سعيد الكفراوي ليس قاصًا مبدعًا حافظ على صلته الوطيدة بفن القصة، ولكنه ذاكرة إنسانية مصرية عربية عظيمة


صاحب القلب والبيت المفتوح لكل مثقف عربي يقصد مصر ضيفًا على مؤتمر أو قادم في مهمة خاصة


قارورتان من عطر الأحباب

جُبِلَ سعيد الكفراوي ليحكي، ومات بعد أن فقد وليفه، فاعتلت صحته ولم يستطع الاستمرار في مقاومة المرض فمات، وكان أول من نعاه الدكتور أحمد مجاهد، الرئيس الأسبق لمجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للكتاب، لتتوالى، بعد ذلك، العبارات التي يُعبر بها المثقفون العرب عن جسامة فَقْد حكَّائهم الأثير إلى قلوبهم؛ وكان أكثرها إيلامًا هذه الجملة التي قالها بلدياته وأحد الأدباء الأقرب إلى قلبه "جار النبي الحلو" الذي قال: "مع السلامة يا سعيد.. مع السلامة يا سعيد.. قلبي موجوع"، وتتالت بعد ذلك التعازي وكتب صديقه الشاعر زين العابدين فؤاد عبارته التي تحمل الكثير من الأسى: "خلاص.. سعيد الكفراوي غيَّر عنوانه"، ومن بعده نشرت مئات التعازي من مختلف الأقطار تعكس المكانة التي احتلها الكفراوي في قلوب المبدعين والمثقفين قبل القراء.
وممن كتبوا يعبرون عن تأثرهم لفقده الشاعر والناقد الأردني الدكتور إبراهيم الصعافين، والأديب الكويتي طالب الرفاعي الذي كتب على "تويتر": "سقط اليوم غصن كبير من شجرة القصة القصيرة العربية.. سعيد الكفراوي ليس قاصًا مبدعًا حافظ على صلته الوطيدة بفن القصة، ولكنه ذاكرة إنسانية مصرية عربية عظيمة".
 وسعيد الكفراوي كان دائمًا صاحب القلب والبيت المفتوح لكل مثقف عربي يقصد مصر ضيفًا على مؤتمر أو قادم في مهمة خاصة، فظل بما يتمتع به من بشاشة وجاذبية وقدرة لا تبارى على الحكي لساعات يجتذب إليه الكون بأسره.
وقد عرفته عن قرب وربطتني به صداقة منذ منتصف السبعينيات من القرن الفائت، ورافقته في كثير من الأسفار في مدن عربية، ودائمًا كان هو ابن القرية الذي يعتز بأصوله الريفية التي عاشت داخله إلى أن رحل، وأتاحت له إبداع قصص سحرية قدمت لنا عوالم لم نألفها في كتابات غيره وهو ما أهله للفوز بجائزتين مهمتين: جائزة السلطان قابوس بن سعيد عن مجموعته "البغدادية"، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب من مصر عن مجمل أعماله. وعلى الرغم من أن الدار المصرية اللبنانية لم تكن هي ناشرة أي كتاب له، فقد فاجأتنا في عام 2015 بإصدار مجلد فاخر يضم ست مجموعات قصصية له تحت عنوان "زبيدة والوحش" تولى ابنه الفنان عمرو الكفراوي تصميم غلافه وصفحاته ببراعة.

تركت يده وأنا أرتجف، سار خطوات قليلة ثم استدار ناحيتي، حاملًا إلى حيث أقف سلام الروح الذي يصعد للسماء طفلًا رضيعًا

وقد كان سعيد الكفراوي دائم الانشغال بأحوال ابنه الرسام الذي نجح في أن يصبح واحدًا من ألمع مصممي الكتب في مصر وخارجها، ثم قرر السفر إلى قُطر عربي أمضى فيه عدة سنين قبل أن يستقر في كندا بعيدًا عن والده.
وأذكر أنني في عام 2010 أعلنت في الصفحة الأدبية لجريدة "الأخبار" عن تنظيم مسابقة تحمل اسم فنان الكاريكاتير الكبير مصطفى حسين تمنح جائزتها لصاحب أفضل كتاب من حيث التفرد في تصميم الغلاف والإخراج الفني، فجاءني سعيد الكفراوي ليقدم عملًا من أعمال ابنه كان يعتز به.
ولم يكن الكفراوي يهتم بأبنائه فحسب، وإنما كان ينفق كثيرًا من وقته في السعي لعلاج أديب على نفقة الدولة أو حل أزمة آخر. ولأنه يتوسط لغيره فكانت مطالبه تجاب على الفور. وكان من أكثر داعميه الدكتور جابر عصفور، في سنوات توليه منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة. ولِم لا.. وقد كان كلاهما من أسسا لحركة أدبية في مدينة المحلة الكبرى، كان من فرسانها: الدكتور نصر حامد أبوزيد، ومحمد فريد أبوسعدة، ومحمد صالح، ومحمد المنسي قنديل، وجار النبي الحلو، قبل نزوحهم من المحلة إلى القاهرة، واستقرارهم فيها، وقبل أن يتعرف الكفراوي على أستاذيه: نجيب محفوظ، ويحيى حقي الذي لا تزال الذاكرة تحتفظ بجمال الشهادة التي كتبها الكفراوي عنه وعن سنوات الستينيات وما عاناه فيها عندما نزح إلى العاصمة. وكانت الشهادة بعنوان: "قارورتان من عطر الأحباب" وقال في قسمها الأول المسمى "قارورة أولى":
    وطرقت الباب.
    (أواخر الستينيات. تلك الأيام التي كانت فيها الأحلام ما تزال حية في القلب، وكانت فيها الدنيا غير الدنيا).
    لا داعي للتأكيد أنني أقف على باب حجرته، التي تقع بها مجلة "المجلة"، والتي يرأس تحريرها، والتي تعبر في ذلك الحين عن ضمير مصر الثقافي.
    فوجئ بي، فرفع رأسه عن الأوراق أمامه، ونظر ناحيتي بدهشة. كانت عصاه مستندة إلى الجدار، وقبعة من الخوص مستكنة على كرسي بالقرب من العصا.
    (ها أنت ذا ترى أيها القادم من قرية بعيدة "يحيى حقي" جالسًا في مواجهتك..)
    كنت أرتدي جلبابًا بلديًا، وعلى رأسي طاقية من الصوف، وملامحي القروية تعكس قلة الخبرة، والخوف من المدينة.
    اندهش لما رآني، ولمحت ظل ابتسامة على شفتيه.
    ـ السلام عليكم.
    ـ وعليكم، أهلا وسهلا.
    ـ بيدي حزمة من الورق، وفي قلبي الخوف القديم.
    ـ خير؟
    قالها بصوته العميق، الهادئ، سريع الحروف، الذي تتخلله دائمة كلمة: "أفندم .. هيه.. أفندم"، وأدركت وللحظة أنني أوقعت نفسي فيما لا أتحمله.. وأشار لي بأن أقترب. 
    قال:
    ـ أيوه يا ابني؟
    ـ أنا يا أستاذ "يحيى" كاتب قصة وعاوز أنشرها في مجلة "المجلة". دس يده في جيبه وأخرج علبة سجائره، وأشعل منها واحدة ثم ركن رأسه على كفه. ما يزال ينظر ناحيتي بدهشة، تحولت فجأة إلى استغراب من بجاحتي (بجاحة هذا القروي، قليل الشأن، الذي يتطاول ويطلب النشر في "المجلة" العريقة).
    قال متسائلا:    
    ـ في مجلة "المجلة"؟
    ـ أيوه.
    ـ إنت اسمك إيه يا ابني؟
    ـ سعيد الكفراوي.
    ـ هو إنت فاكر يا كفراوي إن "المجلة" دي نشرة سرية؟
    إنت عارف مين اللي بيكتب فيها؟
    ـ أيوه عارف.
    ـ ولما أنت عارف جاي..
    ـ يا أفندم أنا جاي من آخر الدنيا.

    عجيب أمر هذا الفنان الكبير، عندما تحولت ملامحه من الاستنكار الخالص، إلى الرقة الخالصة إلى نوع من الحنو البهيج، المشع بجمرة مضيئة كمصابيح الفرح.
    أمام إصراري وعنادي الذي ورثتهما عن جدودي المزارعين، نهض واقفًا وقال لي: 
    ـ تعالى.
    سحبني من يدي إلى شرفة "المجلة" التي تطل على الشارع. جلسنا بعد أن أغلق شيش الباب وقال لي:
    ـ إقرا يا كفراوي.
    بدأت أقرأ متلعثما، يضرب قلبي بالسوط، وخفت أن يقفز من بين ضلوعي. كنت في حضرته أعيش لحظة البداية الأولى، تزدحم روحي بأشواق أول الشباب السرية، وأدرج بأول الحلم مفتتحًا رؤيتي للكبار بهذا الكبير المقام، الذي سكن القلب من أول العمر.
    هدأت واستقامت قراءتي، وسمعت صدى لصوتي في المكان، وأنا أبدأ القراءة على الشيخ الجليل.
    أشعل أكثر من سيجارة، ولمحت قطرة من العرق على جبهته، تنهد بعد أن انتهيت، ونظر تجاهي نظرة طولية لمحت فيها مصابيح الفرح، وذكاء الفطرة، وتجربة الدنيا، وقال:
    ـ كويس يا كفرواي، حسك جديد بالريف. اقرأ مرة أخرى.. وقرأت مرة أخرى.
    بعد أن فرغت نهضنا، وعند الباب شد على يدي، وأخذ مني القصة، وودعني والابتسامة ما تزال مرسومة، وكلمات طيبة تتردد في المكان.
    الغريب أنني عندما كنت أتصفح "المجلة" آخر الشهر وجدت القصة منشورة، ومن هنا كانت البداية الأولى للمتاهة.
    ويكمل الكفراوي شهادته البديعة تحت عنوان: "قارورة ثانية" قائلًا: 
    مر على هذا اللقاء الأول ستة عشر عامًا بالتمام والكمال لم أره فيها. سفح القلب خلالها دمه، واحترقت الروح مئات المرات.. وأطلت الغربة من البدن وشربت.
    كنا بالمركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة، نحضر حفلًا موسيقيًا للخماسي "جورج ميشيل" في إطار احتفالات هذا المركز الدورية، انتهي الحفل وخرجنا نسير عبر ممر ضيق يفصل قاعة المسرح عن بقية البناء، إضاءته خفيفة وهامسة، رأيته يمشي قدامي بجانب السيدة الفاضلة حرمه.
    اقتربت منه وأنا خائف من نسيانه لي. مددت يدي وقلت:
    ـ ازيك يا أستاذ يحيى.. الحمد لله على السلامة.
    رجع برأسه للخلف وتأملني بنفس النظرة، ونفس الملامح، وكأنه لم يغب عني لحظة وصاح: 
    ـ مين؟ الكفرواي؟ 
إزيك يا كفراوي؟ 
"عرفني صاحب الذاكرة الحية التي لم تنطفئ أبدًا، والذي لا يستطيع الزمن أن يمحو من قلبه صور أحبابه ومريديه".
قال:
ـ فاكر يا كفراوي لما كنت بتيجي مجلة "المجلة" لابس الجلبية البلدي، وضحك بفرح.
هويت على رأسه تقبيلًا، وأنحنيت على يده أقبلها من غير وعي. يد أبي، وشيخي والقارئ، ومعلم الحرف، والأبجدية، وفاتح الطريق. 
اليد التي رسمت "البوسطجي" و"أبو فودة" و"دماء وطين" و"خليها على الله"، اليد التي أنارت لي الطريق بالقنديل حيث اعتليت "تلة الفجر".
قلت في نفسي:    
"قبِّل اليد الآتية من الأزمان الطيبة، توقظ الذاكرة، وتبث في الروح الكبرياء، وتعتصر تراب الوطن فنًا جميلًا وإبداعًا".
"قبل يا ابن حقب الهزائم، وتجاوزات السلطة، والمعتقلات المشرعة الأبواب، والزمن العبري، ونجمة داود، والانكسار العربي، واحتراق الروح، زمن الضغائن، وأكلة اللحم البشري من صغار الكتبة، وغير الموهوبين، زمن حرب العرب للعرب، وسيادة الأجنبي حيث يلغ في اللحم، ويفري القلب.
تركت يده وأنا أرتجف، سار خطوات قليلة ثم استدار ناحيتي، حاملًا إلى حيث أقف سلام الروح الذي يصعد للسماء طفلًا رضيعًا، وقال:
ـ كانت أيام حلوة يا كفراوي.. خسارة.. كانت أيام حلوة.
واختفي الشيخ الجليل عن عيني".
**
انتهت شهادة الكفراوي التي يلقي إضاءة غامرة على قلبه وعقله ووجدانه وشجاعته في البوح.. وبقيت ملاحظة هي أنه على الرغم من أن سعيد الكفراوي كاتب ستيني فقد أصدر مجموعته القصصية الأولى "مدينة الموت الجميل" في عام 1985؟!
وبعد أربع سنوات من صدورها جاءت مجموعته الثانية "ستر العورة" في عام 1989، ثم "سدرة المنتهى" في العام التالي مباشرة، ونشر "مجرى العيون" بعد أربع سنوات منها أي في 1994، وانتظر تسع سنوات لينشر "دوائر من حنين"، التي جاء بعدها: "كُشك الموسيقى"، و"يا قلب مين يشتريك"، ثم "البغدادية"، وأخيرًا "زبيدة والوحش" التي هي بمثابة أعماله السردية الكاملة.