ما بين مواسم جدة ومواسم مكة علاقة فارقة

الأمر يبدو في السعودية من بداية انطلاق مواسم جدة الساهرة لمواسم مكة المكبرة كالكلمة وعكسها.


مكة وما حولها ديار مقدسة يذكر العقل الجمعي الاسلامي أن الملائكة هم بناة الحرم ليكون مركزاً للأرض


ما يجمع بين المشهدين أعمق من الفارق الظاهر بينهما

انتهى فاصلٌ من مواسم جدة، حيث الفن والتكنولوجيا والهواء والبحر والأضواء والأمسيات الغنائية، وابتدأت مواسم مكة حيث الفرض والورع الديني والبيت الحرام والشعائر والتكبيرات .  
وما بين الأمرين تبدو المسافات بعيدةً، والهوة عميقةً، بل والتناقض بينهما أعمق وأكبر، فكيف نرى الصورة منسجمةً؟ وهي تبدو للأكثر مقلوبةً ومتجاوزةً في أغلب الحالات  .
معادلة تشبه التفاعل الكيميائي المعكوس الذي لا يستمر في اتجاه واحدٍ حتى يكتمل، هو تفاعلٌ عكوسي توجد فيه جميع المواد الداخلة والناتجة من التفاعل في أكثر من حالة واحدة من حالات المادة، لتعطي المواد الداخلة في التفاعل تحت ظروف التجربة نفسها توازناً كميائياً .
ولقد عبر الكيميائيون عن ذلك بالمعادلة التالية :
‏aA+ bB—cC+dD
هكذا سأتجه في تفسيري للمشهد بالفكرة الكيميائية كبوصلة، تحدد أن التوازن لا يكون إلا في عناصر متناقضة بمفردها، وأنها تحتاج تفاعلاً ما ليحدث الانسجام.

تجاعيد الزمن وندباته العميقة على الدولة بسياستها الجديدة معالجته، فالنور الحقيقي ذاك الذي يزحف الى القلوب قبل العيون، وعليها وهي تفتح الأبواب الموصدة، ان تغلق أبواباً أخرى ملطخة بالدماء مسكونة بالضربات والصرخات والأحزان والألغاز، والطلقات والضحايا والجثامين

حقاً الأمر يبدو في السعودية من بداية انطلاق مواسم جدة الساهرة لمواسم مكة المكبرة كالكلمة وعكسها، كمن يدبر ويقبل، كالمبعثر والمنظم، كالألوان والأبيض والأسود، كالزراعة والحصاد، بل يبدو كالقبح والجمال، فكيف للأمور أن تصطلح وسط هذا الزخم و الاضطراب؟ وكيف لنا التوفيق بين حديث الطموح وحديث الجموع؟ بين زحام الأضواء وزحام عرفات؟
بدايةً علينا أن نتفق أن ما يجمع بين المشهدين أعمق من الفارق الظاهر بينهما، فما يجمع بينهما المكان فهو هنا البطل الحقيقي والذي لن يكون يوماً طللاً، المكان هو الجغرافيا والتاريخ والأزمنة والعاطفة كلهم أجمعين .
مكة وما حولها ديار مقدسة يذكر العقل الجمعي الاسلامي أن الملائكة هم بناة الحرم ليكون مركزاً للأرض، وتكون بذلك مكة العاصمة العالمية الأولى لكوكب الأرض، هذه هي الارض التي نتحدث عنها الْيَوْمَ. وهي التي تتعرض الْيَوْمَ للحداثة والتغيير الذي نراه جميعاً بألوان زاهية ومبالغ فيها أحياناً خاصة بعد الحصار الفكري والاجتماعي الذي فرضته ذات الدولة على نفسها يوماً ما بدوافع دينية وحجج شرعية، فهل أحبطت حججها وكسرت قواعدها؟ وأيهما كان صحيحاً أمس أم الْيَوْمَ وربما غداً؟  
أنا لن أقدم هنا أيه إجابات معتمدة ًعلى الفتاوى، فالامر علاجه ببساطة حتى تستقيم رؤيته يجب أن يبتعد عن الفتوى ويقترب من الموضوعية والتفكير المدني الذي يجب أن يفرق جيداً بين الأمنية والفعل، بين الإسلام والمسلمين، بين الإلهي والبشري .
أولاً: علينا تخصيص وتعديل مفهوم الأراضي المقدسة، فالمملكة العربية السعودية دولة عربية تُعد من أكبر دول الشرق الأوسط مساحةً إذ تبلغ حوالي مليوني كم٢، بالطبع ليست كل آراضيها مقدسة، صحيح تعتبر مركزا دينياً عالمياً وإسلامياً عظيماً، فهي بلد الحرمين الشريفين، كما بها أماكن مقدسة أخرى من مساجد ومقدسات مرتبطة بكرامات حدثت للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، تنحصر غرب السعودية تحديداً، وجنوب مكة حيث جبل النور وجبل أحد .
لذا علينا أن نستخدم الحصر والتحديد دون التعميم حتى يصبح الأمر مفهوماً دون خلط واضطراب وصخب .
ثانياً: المملكة العربية السعودية كدولة لا بد أن تنهض بقطاعات دولتها وتُحسّن استثمارها جيداً، حتى لا تتربح من الدين كمورد وطني، فالحرمان أراض مقدسة تشد لها الرحال كسياحةٍ دينية، تفرض حتماً جلالةً للمكان الدولة لكن لا يجب مطلقاً أن تفرض الانزواء والعتمة.
ثالثاً: من قال إن السعودية دولة ليست لها مقومات سياحية؟ صحيح لا تحتل ترتيبات متقدمة في لائحة البلدان السياحية بالعالم، لكن هذا لا يعني أنها بلد لا يستحق الزيارة ولا المشاهدة، بل تضم أماكن جذب رائعة وغير اعتيادية، اعترفت بها منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة (اليونسكو) فقد اعتبرت عام ٢٠٠٨ مدائن صالح الحجر موقعا تراثيا عالميا، وفي ٢٠١٠ أضيفت الدرعية للقائمة التراثية، وفي ٢٠١٤ أُضيفت جدة التاريخية لنفس القائمة، كما أُضيفت حائل وواحة الإحساء لتكون على قائمة التراث العالمي، فربما آن الآوان أن نرى الدولة السعودية بمنظور سياحي مختلف عن المنظور الديني، فمن ينكر للدولة حقها في النهوض بقطاع السياحة من الحلم إلى الواقع، وأن تنهض من التأثير الديني والثقافي إلى الاجتماعي والاقتصادي .
رابعاً: التفريق بين الإرادة الدينية والإرادة السياسية، فيبدو أن السلطة السياسية الآن تريد إبطال المفهوم الوهابي تدريجياً أم صراحةً خاصة ًومن قبله أخذت تحاكم فقهاءها الذين تبنوا آراءها يوماً، الأمر الذي يجعلها تحصر إرادتها الدينية في الإشراف على المواسم الدينية، والانسحاب من الفتاوى المناهضة لقيام دولة مدنية، الأمر الذي يجعلها أيضاً في حرج مع الصارخين "واإسلاماه"، رغم إن كثيراً من هؤلاء الصارخين، الخوف على الإسلام يكون منهم.

خامساً: علينا أن نسمي الأشياء بمسمياتها الحقيقية، وان نبتعد عن تسميتها بأشياء تبتعد عن طبيعتها، فما معنى ضوابط شرعية للسياحة؟ هل يعني فرض زي معين على السائحين؟ وما معنى أن أقدم حفلات غنائية مصحوبة بتحذير عن عدم التمايل؟ ثم من قال ‘ن السياحة تساوي الغناء؟ ومن قال إن القوى الناعمة اقتصرت على الغناء فحسب؟ 
فإذا أردنا فتح المسارات المغلقة علينا أن نتسلح بوعي كافٍ دون تقليدٍ أجوف يجعلنا ننزلق في هوة عميقة، فضوابط السياحة الشرعية الحقيقية ليست سوى الأمن والوعي وتقديم خدمة سياحية رائدة ومستنيرة ترى نفسها بطبيعتها وعلى هيئتها العربية الجميلة والغامضة والمتحفظة أيضاً، فمن سيأتي إلى السعودية كدولة سياحية لن ينسى قطعاً أنها دولة الحرمين، فأتمنى ألا تنسى هي خصوصيتها وعمقها التاريخي والثقافي والديني المثير والأقدم في مسار التاريخ الإنساني كله، أعتقد أن لا أحد سيحضر حتى يسمع ما قد يسمعه بأي مكانٍ آخر أو يرى حفلات صاخبة قد يراها بأي مكان آخر، السائح الحقيقي هو ذاك الذي يبحث عن خصوصية المكان تاريخياً وجغرافياً.

وعليها أن تقدم سياحة من نوع آخر جديد، فضوابط السياحة الشرعية الحقيقية ليست سوى الأمن والوعي وتقديم خدمة سياحية رائدة ومستنيرة ترى نفسها بطبيعتها وعلى هيئتها العربية الجميلة والغامضة والمتحفظة أيضاً، فمن سيأتي إلى السعودية كدولة سياحية لن ينسى قطعاً أنها دولة الحرمين، فأتمنى ألا تنسى هي خصوصيتها وعمقها التاريخي والثقافي والديني المثير والأقدم في مسار التاريخ الإنساني كله، أعتقد أن لا أحد سيحضر حتى يسمع ما قد يسمعه بأي مكانٍ آخر أو يرى حفلات صاخبة قد يراها بأي مكان آخر، السائح الحقيقي هو ذاك الذي يبحث عن خصوصية المكان تاريخياً وجغرافياً.

فعليها أن تقدم سياحة من نوع آخر جديد لا يُرى إلا بالمملكة العربية السعودية، هنا لن نجد صورتين مقلوبتين بل سنرى مال الله لله، ومال قيصر لقيصر، سنعترف أن أهل مكة أدرى بشعابها.
سادساً: تجاعيد الزمن وندباته العميقة على الدولة بسياستها الجديدة معالجته، فالنور الحقيقي ذاك الذي يزحف الى القلوب قبل العيون، وعليها وهي تفتح الأبواب الموصدة، ان تغلق أبواباً أخرى ملطخة بالدماء مسكونة بالضربات والصرخات والأحزان والألغاز، والطلقات والضحايا والجثامين .
أتذكر هنا عبارةً للشاب اليمني عمر باطويل المقتول ٢٠١٦: 
"أنا أرى الله في الزهور، وأنتم ترونه في القبور، يا هؤلاء هذا الفرق بيني وبينكم .
سابعاً: وفي نهاية المطاف، ومع قرب نهاية موسم الطواف أتمنى كل الخير للطائفين والركع السجود وللسعودية ديناً ودولة معاً وأن تنهي سريعاً الصراع المتجدد بين سنة علي وسنة معاوية.