نجا المهداوي: التشبث الأعمى بالأصالة قد يؤدي إلى الانغلاق

الكاتب التونسي محمد المي يؤكد أن المهداوي رفع راية تونس في المحافل الدولية من منطلق إيمانه بأن بإمكان الفن أن يرفع راية تونس عاليًا.


قلة من الفنانين التونسيين هم الذين حققوا لوطنهم ما حقق له نجا المهداوي


لوحات الفنان التونسي تحولت فُرُشًا، وزرابي مبثوثة، وحلقت الطائرات بألوانه، وتزينت كبرى الهيئات والمنظمات بحروفيته 

شهدت دار سيباستيان بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات بتونس، احتفالية تكريم فنان الحروفية التونسي العالمي نجا المهداوي، وقد فسَّر الكاتب محمد المي سر تحمسه للاحتفال به بقوله: كم نحن محظوظين لأننا نعيش في عصر "نجا المهداوي"، هذه القامة السامقة التي أشعت بفنها وطنيًا، وعربيًا وعالميًا، هذا الفنان الذي رفع راية تونس في المحافل الدولية من منطلق إيمانه بأن بإمكان الفن أن يرفع راية تونس عاليًا.
وأضاف المي بأن قلة من الفنانين التونسيين هم الذين حققوا لوطنهم ما حقق له "نجا المهداوي"، فكان كالحرف الذي تنصل من الكلمة ليكوِّن بالحرف حروفية في لوحات تشكيلية يتعانق فيها المفهوم بالرؤية الجمالية، ويتصاعد فيها الذوق المرهف مع الإحساس بالانتماء حتى تتسامى الذات الناظرة إلى العمل المنجز، وقد قدته أنامل "نجا"، فتمثُل في الأعين رسمًا بهيًا، ولوحة بديعة. 
أليس من تعاريف الإبداع الإتيان بالشيء لا على مثال سابق له؟
ونجا أتى بما جعله يتفرد ويمتاز عن سائر مجايليه، حتى تحولت لوحاته فُرُشًا، وزرابي مبثوثة، وحلقت الطائرات بألوانه، وتزينت كبرى الهيئات والمنظمات بحروفية نجا. 
وهذه ندوة فكرية نسأل فيها عن امتدادات نجا فينا.. ولذلك فهي لم تقتصر على دعوة المختصين في الفنون التشكيلية، بل دعونا إليها المفكر، والأديب، والجامعي، والسياسي، والفنانة.. ودعوناكم كلكم لتكونوا شهودًا على هذا الحفل الذي لا غاية لنا من ورائه إلا أن نقول جملة بسيطة: "نجا.. إننا نعرف قدرك، إننا سعداء لأننا نعيش في عصرك، إننا نحبك، وأنت في تقديرنا لا تقل أهمية عن: ابن خلدون، أو خير الدين التونسي، أو الشابي، أو الطاهر الحداد، أو محمود بيرم التونسي، بل إنك تشبه هؤلاء جميعًا في كونك حققت اعترافًا بك في الخارج، وإن لم يعترف بك أبناء بلدك! 
وكشف المي أن نجا المهداوي لا يُدرّسُ فنه في معاهد الفنون الجميلة بتونس، ولا تقتني لجنة الشراء من أعماله الفنية، رغم كل هذا الإشعاع الذي حققه خارج بلادنا! 
لذلك قلت ما قلت، عسى أن نفي الرجل حقه وهو بيننا، وننال رضاه، ويعرف أن بين مواطنيه من يقدّر قيمته، ويعرف حجمه، ويقول عنه كلمة حق.
وبدوره يقول الفنان نجا المهداوي:
بيان لجمالية العلامة 
مثلما كان علينا أن نناضل في سبيل استقلالنا فإنه كان علينا إعادة الاعتبار إلى قيمنا الثقافية (فنوننا). وهي ضرورة أولية فرضت نفسها علينا منذ يوم تحررنا، وفرضت نفسها في الغرب يوم تفطن إلى خطر المقياس الواحد المقنن.
ويتساءل المهداوي: ولكن كيف نستعيد تراثنا الوطني الذي يحوي هويتنا مع التزامنا بالانفتاح؟ فإذا كان المقياس الواحد المقنن يجعل الأفراد مستلبين ممسوخين، فان التشبث الأعمى بالأصالة قد يؤدي إلى الانغلاق والتقوقع على الذات. 
ويؤكد: نعم علينا الاعتزاز بذواتنا مع إدراك اختلافنا عن الآخرين، وهنا أتوقف عند الكلمة المفتاح بالنسبة إلي / الاختلاف الذي هو ينبوع الغنى والإلهام والإبداع، وهو ما نُسي دهرًا عندما صُنفت الحضارات إلى صنفين: حضارات راقية، وحضارات سافلة؟ 
واليوم علينا أن ندرك أن كل حضارة تمثل نموذجًا متفردًا وليس هناك حضارة عظيمة وأخرى أقل منها عظمة، فقط علينا القول إن كل حضارة هي مختلفة عن الأخرى.
وأكد أن الحوار بين الشعوب لا يعقده إلا الاختلاف. أجل إن الاختلاف يثري، وليس التشابه. 
لقد عشنا طويلًا تحت نير الاستعمار، وليس من الجدة القول إننا كنا مستلبين، مغتربين في ذواتنا وهويتنا؛ ففي مجال الرسم مثلًا يكون الرسم المسندي، والرسم الزيتي الذي هو أعظم الفنون عند الغرب، طارئ علينا، ودخيل على حضارتنا، ونحن لم نكتف باستعارة رؤية الغرب فقط، بل استعرنا حتى مقاييسه الجمالية.
 لقد كان الغرب يبحث عندنا عن العجيب والغريب، وعن كل ما هو "فولكلوري". ولقد استعار رسامونا الأول هذه النظرة الاستشراقية؛ فرسموا بَدْوِنا ومتسولونا ومساجدنا وجمالنا. فإذا بالجميل عندنا هو الجميل عندهم، أما مفهوم الإبداع الذي تعلمه الغرب من الإغريق فقد كان مجهولًا عندنا (أعني نحن المسلمين)، بل أكثر من ذلك بكثير، فالإبداع عندنا يعني الكفر، لذا استعضنا عن المبدع بـ (الصانع) و(المعلّم) لقد تناهى إلى أسماعنا ودخل في ثقافتنا كون الإسلام يُحَرِّم التصوير.
والحال أنه لا يوجد في القرآن تحريم قطعي للصورة، وإنما هناك تحذير من استعمالها لغايات وثنية، وهو ما أوجب تدمير الأصنام في الكعبة، غير أن الأحاديث النبوية بوصفها المصدر الثاني للتشريع هي التي تحرّم بشدة تمثيل الكائنات الحية إنسانًا أو حيوانًا .
هذا الاختلاف المرجعي أفاد منه الفنانون التشكيليون المسلمون، من معتزلة وغيرهم، فصوروا الأحياء، الشيء الذي أُعتبر زندقة. ورغم ذلك فان تلك المغامرة فتحت السبل لولادة فن عربي إسلامي.
ليس من المدهش في شيء ألا نجد في تونس التي ينتشر فيها الإسلام السني التصوير، كما أنها لم تعرف حضارة الكتاب التي تحقق خلالها فن المنمنمات في أرض الإسلام.

ويرى نجا المهداوي أنه لا بد من الإشارة إلى أن تاريخ الرسم الشعبي؛ من رسم على الزجاج وغيره يعود إلى القرن الثامن عشر، أي زمن الاحتكاك بالغرب المسيحي. ومعنى ذلك أنه لم يكن لدينا تقاليد تصويرية قبل هذه الفترة.
وحول صيرورة مفهوم الخطّ وتحولاته يقول المهداوي: الخط العربي أساس من أهم أسس فن الإسلام التجريدي الروحاني، وينجذب إليه في راهننا عدد قليل من الرسامين العرب.
وفيما يتعلق بي انطلقت من مبدأ تأمل التراث، وفهم المصادر التاريخية، وقد انتهت بي نتيجة ذلك كون الحرف العربي بثرائه وتعقيداته فنا فريدا على المستوى البصري التشكيلي، لأنه يتضمن عالمًا بلا حدود من التعبير التصويري، وهو عندي أثر تشكيلي يفرغ الحرف من معناه، ويكفّ عن حمل أي خطاب علمي، فيتحول الى بنية دالة تشكيلية كمرحلة أولى من انجاز بحث شامل.
وأعتبر هذه المرحلة فعلًا جوهريًا يتعدى (قضية) الهوية لأن الهدف المأمول ليس القطيعة، وإنما إحداث حركة ابتعاد ابستيمولوجي بالنسبة إلى مدرسة الآخر حتى يتواصل التطور في حركة موازية له حسب المنطق الطبيعي للتبادل الثقافي، وذلك لتوسيع حقل التكامل.
وفي فعل الرسم، يتكلم المهداوي هنا عن الإبداع المحض، فيندد بكل أشكال المحاصرة حتى نتجنب الانطواء المهلك للذات، وننفتح بحرية على الثقافات الأخرى.
وهكذا فإن بحثه مستمد من القيم الجوهرية للتراث لا يعني بالضرورة المحاكاة أو استرجاع القيم الموروثة ومنها الجمود، إنما يعني أن يكون الفنان مسؤولا تمامًا عن نفسه انطلاقا من البنية الحقيقية لثقافته الأصلية والولوج فيها من جهة الحساسية الشعبية والحياة المعاشة.
وبأكثر دقة، فإن ما يبحث عنه المهداوي من وراء الخط العربي إنما هو خلق قاعدة مرجعية لنا. وهكذا يكون انفجار الأشكال الأكاديمية "المستوعبة من الداخل" قادرة على منح الولادة لفن آخر يمتلك ذاته وروحه. فن لا يتجاهل منجزات الآخرين، ويثري التراث الإنساني، من جهة، ويمكن له الحث على التفكير، وليس القبول والاستهلاك، كما هو الوضع في مجتمعاتنا.
ويتكلم المهداوي هنا عن العالم الثالث من جهة ثانية حيث يتشارك الأثر الفني مع حياة الفرد. ومن هذا المنظور يتكلّم عن الإبداع الشامل الذي يدفع إلى الوعي الشعبي والتفكير والانفجار من الداخل.
يقول الفنان التونسي العالمي نجا المهداوي: أعتبر أن تشكيليي العالم الثالث مع إعطائهم بُعدًا عالميًا لأعمالهم قادرون على التفكير جماعيًا لأن الأمر يعني بالضرورة عمل جماعة حول وظيفية التقنيات المعاصرة، والمواد واقتباسها، ودراسة الأشياء المصنوعة تقليديًا "الفخّار"، "الخزف" "السيرامك"، "الزجاج"، "حفر الخشب"، "نحت الرخام"، أو "الحجر الرخو"، "النسيج الزربية" أو "السجاد"، "الصباغة"، "النحاسيات"، "التطريز"، "النقش"، "الرسم على الخشب"، "صناعة الحلي"...الخ 
أعتقد أن هذا يمكن أن يكون أحد الحلول البديلة للوحة المسند، واقترح قراءة ثانية للتراث حتى نخرج من التكرار العقيم فتُعصّر الأفران، وتُخلق أشكال وعلامات جديدة، وتفكّ الرموز بالدّراسة العلمية اللائقة ويُعمل على تكريس الانحراف المدروس عن المسار الغربي.
وتحت عنوان "عندما يُحَوّل السرد إلى رسم بريشة نجا مهداوي"، يلقي الروائي والناقد التونسي الدكتور محمود طرشونة أضواء على تجربة فريدة لوضع كتاب مشترك بين نجا المهداوي والكاتبة السعودية رجاء عالم، صدر بعنوان "مراتب العشق"، عن دار شنباكت للنشر بتونس، وقام هو بتقديمه، ويتساءل: عندما يلتقي فنَّانان مختلفان في نفس الكتاب، من البديهي أن نتساءل عمّا يربط بينهما من علاقات، وقد اجتمع في كتاب "مراتب العشق" فنانان من أعرق الفنون هما: السرد والرسم، أي فنّ زماني وفنّ مكانيّ. وبالتالي فالعلاقة بينهما مرشّحة للتنافر والانسجام معًا، ولا يمكن إقرار أحدهما إلا بعد النظر في مدى التطابق بين النصوص النثريّة والرسوم المختلفة الأشكال والألوان.
ولم يقف التداخل بين الفنين عند حدود التطابق، بل بلغ أحيانًا مستوى الانصهار، إذ نجد في السرد ذاته وصفاً دقيقًا لعملية تشكيل الرسوم، وبناء اللوحات.