First Published: 2015-03-03

تطبيق الشريعة وصدام الحضارات

 

نحتاج إلى تفسير لصراعات نماذج دينية تتبناها السعودية وإيران وتركيا وداعش فيما بينها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

الفضيلة في العالم الغربي هي بسبب القوة التي يمتلكها، وهو اليوم لا يكف عن تذكيرنا بتفوقه العسكري، من خلال هذه الطائرات المحلقة فوقنا، والتي أصبحت عقدة المسلمين. حتى إن الدول العربية تتسابق لشراء الطائرات الفرنسية المقاتلة مثلا. القنابل التي تطلقها الطائرات على جسد العالم المسلم ستؤدي حتما إلى يقظتهم.

المشكلة هي أن السلطة المتطورة في الغرب مبنية على طرد الإيمان، حتى أن أهم فيلسوف تخصص بدراسة السلطة وثقافتها مثل الفرنسي ميشيل فوكو، كان متعطشا لظهور نموذج حضاري آخر يتحداها، إلى درجة أنه شجع الخميني في البداية، لا لِشَيْءٍ فقط لأنه اقترح سلطة مختلفة.

الحرية الغربية تبدو في النهاية مجرد وهم، مع كل هذه الكاميرات المزروعة في الشوارع، والتحكم بالتعليم، والإقتصاد، والعائلة. كما لو أنها حرية تنتج نمطا واحدا من البشر، مع نظام عقاب هائل لكل حالات التمرد والجنون التي يتم قمعها بوحشية. والتصادم الحضاري يبدو حتميا في وجود اختلافات بهذا العمق الجوهري مع الشرق. حتى الأستاذية التي يمارسها القادة الغربيون علينا، هي تعبير عميق عن فقدان تام للمصداقية.

في العراق مثلا، كان تصدير أميركا لنظام العقاب، سببا رئيسيا لظهور التطرف وانتشار الإرهاب في المنطقة، فهو نموذج مختلف عن نظام المناصحة السعودي، الذي ينسجم بشكل كبير مع طبيعة المجتمع المسلم وثقافته.

إن دافع الجريمة بالنسبة للقانون الغربي هو النقاء والشعور بالكرامة، لهذا من شروط الإعتقال عندهم، هو أن يخلع المعتقل ثيابه، وينحني بشكل طوعي شاهرا مؤخرته لعدد من الشرطة. هذا إجراء روتيني يتم اتخاذه بحجة التفتيش، وهو عملية نفسية لتجريد المعتقل من احترام الذات والكبرياء، الذي هو بنظرهم سبب الجريمة.

وهذا ما طبقوه في سجن أبو غريب العراقي. فبينما كانت السجون العربية "مدرسة للرجال" أصبحت المعتقلات على نمط السجون الأميركية، حيث الإغتصاب والإذلال والوحشية. برنامج كامل لكسر احترام الذات، تخيلوا حتى موديل تسريح البنطال بأميركا تحت الحزام هو من السجون الأميركية. ويدل على أن السجين مستعد للإغتصاب، وكذلك الوشم المنتشر هو في الحقيقة بدأ بين العصابات. في السجون الموافقة على الإغتصاب هو الوسيلة الوحيدة للحصول على حماية وأمان. هذا العقاب المكثف لكسر الروح مع المتمردين اصطدم بالإسلام وفجر الجهاديين. فمن المعروف أن تطور العقاب النفسي مع ظهور علم النفس هو الذي أدى إلى التخفيف من وحشية العقاب الفيزيائي في السجون الغربية، وليس صحيحا بأن العقاب الجسدي اختفى بسبب حقوق الإنسان. فـالسجين العربي يخرج من السجن رافعا رأسه ولو بساق مكسورة، غير أن السجون الأميركية لا يوجد فيها شيء اسمه رفعة الرأس.

الحياة الغربية من جهة أخرى تغري بالخمور مثلا، بينما القانون يعطيهم مخالفات إذا قادوا السيارة مخمورين، ويسلب الأم أطفالها إذا كانت تشرب الكحول. كما لو أن هناك هامشا متعمدا للتهرب من الضرائب والزنى والقمار والمخدرات. حريات شخصية توفرها الدولة للمواطن، ثم تلاحقه بالمحاكم في قصص طلاق ومخدرات وكحول وتحرش وغيرها. الهدف هو خلق مجتمع مفضوح بغرائزه أمام الدولة، مما يؤدي إلى السلطة المطلقة، وغياب التمرد السياسي، وتصاعد التقدم التكنولوجي والإقتصادي والإزدهار.

المشكلة أن المجتمع المسلم يرفض هذه الطريقة، ويقترح بناء الفرد-الإنسان على منهاج النبوة، بإغلاق الكازينو، والمبغى، والملهى، والبار، واستخدام طاقة التحريم الديني "تطبيق الشريعة". هذه حضارة مختلفة تماماً، ولا يمكن للغرب السماح بها. فالغرب يبيح الموبقات، وينشر الشرطة والكاميرات والتجسس للسيطرة. بينما الإسلام يحرم الموبقات ويشجع على التحكم بالغرائز، كما يفتح المساجد يوميا للتدريب والرياضة الروحية. هذا خطر على العالم المتحضر، خطر كبير، ولا بد للطائرات الحربية أن تبقى محلقة فوقنا.

المشكلة أن النماذج العلمانية عند المسلمين انهارت. تركيا بنهضتها الإقتصادية والثقافية مع حنين للإسلام. إيران الجمهورية الإسلامية بطموح نووي وعلمي وسياسي. السعودية بثقل وتماسك وتاريخ خالي من الإنقلابات العسكرية والفوضى. هذه نماذج إسلامية في النهاية ولو متصارعة، حتى بات الغرب يتدخل في مناهج التعليم، وخطباء المساجد، ونشاط الإسلام نفسه.

ثم أن ثورة الإنترنت لم تخدم الأهداف العلمانية بل خدمت الإسلاميين. فقد كان منع المسلمين من السفر إلى الغرب، وعدم الإعتراف بجوازات معظم بلدانهم، جعلهم يحملون فكرة غامضة عن الحياة الغربية، كوجود جنة خلف البحار. الغرب يأتي إلينا بحرية ويبشرنا بعظمته الثقافية وتفوقه العلمي، دون أن يسمح لنا برد الزيارة. ثورة المعلومات جعلت الشباب يسافر بكبسة زر. وهكذا زالت العقدة القديمة التي عانى منها الشباب لعقود طويلة. وبغض النظر عن مشاكلنا السياسية والإقتصادية المعقدة، تبقى قيمة الحياة الشرقية بفضل الإسلام، نادرة وجذابة.

العالم الإسلامي اليوم يعيش مخاضا غريبا، وقد كتب في ذلك رجال وفقهاء أكثر أهمية مني وأوسع علما، إلا أن المسألة اليوم ليست ثقافية بمقدار ما هي سياسية أيضا. فالمملكة العربية السعودية مثلا تحكم بالقرآن الكريم، وتطبق الشريعة في بلاد الحرمين، حتى أن الملك عبدالله رحمه الله، لم يفهم سبب عداء الإيرانيين للسعودية، وقال بأن السعودية سبقتهم إلى بناء دولة إسلامية وتطبيق الشريعة، وهم الذين تبعوا نموذج السعودية. كل هذا اليوم مرتبط بالسياسة، فهل تشجع السعودية دولا عربية أخرى على اتباع نموذجها، والإقتداء بها، أم تدعم النماذج العلمانية؟

أرجو أن لا يكون هذا المقال مخيبا لآمال قرائي، الذين يتوقعون مني متابعات سياسية مهمة، وليس تأملات قد تكون مكتوبة بدافع الكآبة، وانقطاع الكهرباء، أو الإفلاس. خصوصا وأن الجيش العراقي الباسل يتقدم اليوم إلى مدينة تكريت من ثلاثة محاور، هي محور قناة العراقية، ومحور قناة العربية، ومحور سكاي نيوز. حروب وهمية لا حقيقة لها، طالما هناك رجال غامضون يخرجون من المسكوت عنه في وعينا ويسيطرون على نصف العراق خلال ثلاث ساعات.

لن يكتب التاريخ سوى شيء واحد عن هذه الحرب، إنها في الحقيقة حرب بين العراق الفارسي والعراق العربي، أما الإرهاب فهو مجرد دعاية حربية في النهاية لن يأخذ بها المؤرخ الرصين. فبعد أن كانت المعارك في الشوش، وبسيتين، ونهر جاسم، والفاو، والخفاجية، والمحمرة، أصبحت على صلاح الدين، وتكريت، والرمادي، والموصل. وهو تمكين أميركي واضح للإيرانيين على العرب. وهو أيضا من فضائل الغرب الماكرة في بلاد المسلمين.

في إحدى المناسبات سئل الحاخام ليفي إسحق - أحد كبار رجال الدين في القرن الثامن عشر - عن سبب غياب الصفحة الأولى من جميع بحوث التلمود البابلي، مما يدفع القارئ إلى مباشرة القراءة بالصفحة الثانية. فأجاب الحاخام "على الرغم من كثرة قراءات المرء، فإن عليه أن لا ينسى أبدا، بأنه لم يصل بعد إلى الصفحة الأولى."

 

أسعد البصري

الاسم ذاكر
الدولة الامارات

نبارك للاخ الاستاذ اسعد البصري وظيفته الجديدة في دولة الامارات العربية المتحدة متمنياً له طيب الاقامة والحياة الباذخة التي ينشدها في ربوعها.

2015-03-03

الاسم عراقي
الدولة العراق

ابدعت... مع التحية

2015-03-03

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
نداء عربي إلى كردستان المحاصرة
2017-10-01
هل السنة العرب مع الأكراد؟
2017-09-30
جهاد النكاح في العراق
2017-06-13
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المطرب حسين نعمة واجتثاث البعث
2017-04-01
بعد خطبة النهاية الداعشية، على سنة العراق تقديم قيادات مقبولة
2017-03-23
الطائفية الثقافية في العراق
2017-03-03
ماذا عن سنة العراق لو تمت المصالحة بين السعودية وايران؟
2017-02-06
المزيد

 
>>