ميشيل كيلو يرسم طريق الخلاص وصية سياسية عابرة للحدود

لاءات كثيرة من معارض مخضرم يعرف أين أصاب وأين أخطأ.


وصية ميشيل كيلو عبارة عن خلاصة تجربة طويلة من النجاحات والإخفاقات


كان صوتا معارضا من الاسد الاب الى الاسد الابن وتعرض للملاحقة والسجن


سخرية الاقدار شاءت أن يأتي رحيله مع الاعلان عن موعد الانتخابات الرئاسية في سوريا

- لا تنظروا الى أوطانكم من خلال اهدافكم وايديلوجياتكم

- لا تنظروا الى مصالحكم الخاصة كمتعارض مع المصلحة الوطنية

- لن تصبحوا شعبا واحدا ما دمتم تعتمدون معايير غير وطنية وثأرية في النظر الى بعضكم البعض

- لا تستخفوا بفكر مجرب

- لا تتخلوا عن اهل المعرفة والفكر.

هذا بعض ما ورد في وصية المفكر السوري والمعارض والمناضل ميشيل كيلو الذي توفي قبل ايام في باريس وهي وصية عابرة للحدود. ولولا ان صاحبها يحمل هوية سورية لخلنا انها موجهة الى كل شعوب العالم التي تخوض معاركها النضالية من اجل الكرامة والحرية والسيادة الوطنية. ربما اراد صاحبها عن وعي او عن غير وعي ان تكون كذلك وان يوجه من خلال خطابه للمعارضة او المعارضات السورية ومعها كل المعارضات العربية الغارقة في صراعاتها ليقدم لها وصفة سياسية هي خلاصة تجربة طويلة قد تكون تضمنت بعض النجاحات والكثير من الاخفاقات ويمكن اعتمادها في مختلف الازمات والصراعات التي تفتك بالاوطان وتدمر الشعوب. وهي بالاضافة الى كل ذلك وصية مجرب ومناضل سياسي انتسب لجزء من العالم العربي المتفجر واعتبر نفسه صنوا للوطن الصغير سوريا وللوطن العربي الكبير وخبر الحياة وخبرته الحياة وقد يكون ادرك وهو يستعد لتوديع عالمنا خطر الاستمرار في ارتكاب الاخطاء ذاتها فوضع جملة من اللاءات التي يتعين الانتباه لها كي لا يبقى السوريون ضائعين في بحر الظلمات.

لم يكن ميشيل كيلو شخصية مغمورة في الفترة السابقة للاحداث التي اهتزت لها سوريا قبل عشر سنوات. فقد كان صوتا معارضا من الاسد الاب الى الاسد الابن وتعرض للملاحقة والسجن. ولم يكن من الغريب ان يكون له موقعه بين الشباب السوري مع انطلاق موسم الحراك السوري قبل ان ينقلب الامر الى حرب اهلية وتتسلل الى سوريا الشبكات الارهابية والجماعات المسلحة.

كثيرون ينتقدون كيلو بسبب تقاربه المعلن مع الاسلاميين في مرحلة اولى بعد انضمامه للائتلاف الوطني السوري في الدوحة في 2013 والذي سينسحب منه لاحقا. وقد يكون كيلو، وهو الذي اراد تجميع صفوف مسيحيي سوريا، ادرك خطاه متأخرا فأراد من خلال وصيته تصحيح المسار والدفع بالسوريين الى خيار توحيد الصفوف الذي بدونه لا يمكن تحقيق الاهداف والاحلام المشروعة في الحرية والكرامة. في وحدتكم خلاصكم.. وهنا مربط الفرس ولكن لا تتخلوا عن أهل المعرفة والفكر والموقف، استمعوا إليهم، وخذوا بما يقترحونه، ولا تستخفوا بفكر مجرب، هم أهل الحل والعقد بينكم، فأطيعوهم واحترموا مقامهم الرفيع.. يقول صاحب الوصية الذي يودع عالمنا قبل ان يكتمل الحلم وقبل ان يتوقف النزيف السوري وتلملم سوريا جراحها وخذوا بما يقترحونه، ولا تستخفوا.

لعلها الصدفة شاءت أو ربما هي سخرية الاقدار شاءت أن يأتي الاعلان عن وفاة المفكر والمعارض السوري المسيحي ميشيل كيلو مع الاعلان عن موعد الانتخابات الرئاسية السورية نهاية شهر مايو القادم. ولعل في الحدثين ايضا ما يختزل المشهد السوري والصراع من اجل السلطة فيما بقي من هذا البلد من الاسد الاب الى الاسد الابن الى ربيع سوريا الذي تحول الى خريف دموي، ومعه ايضا ما يختزل المشهد الاقليمي في منطقة موبوءة بصراعات ابناءها.

قد يكون ميشال كيلو استشعر الموت فترك وصيته للسوريين يضمنها مواقفه التي لم يحد عنها في مسيرته الطويلة كمعارض شرس للنظام والتي سيتضح انها وصية سياسية اقرب الى الوصفة الطبية لعلاج جروح الاوطان النازفة وليس الجرح السوري فحسب. والارجح ان لتجربة كيلو الطويلة كسياسي ومعارض وسجين آمن بالحرية والتعددية حتى النهاية جعلته يقدم على ان تكون وصيته علنية وان تكون موجهة لكل السوريين بكل اطيافهم السياسية والعرقية. والارجح ايضا ان كيلو استشعر من خلال تجربته الطويلة والثرية أنه لا بديل عن مشروع وطني جامع ولا بديل عن وحدة كل القوى السياسية لمواصلة المعركة من أجل الحرية.

هل تنتبه المعارضة السورية او المعارضات السورية المشتتة في الداخل والخارج بين دمشق ولندن وباريس وانقرة وموسكو ولندن وواشنطن والدوحة وغيرها الى وصية ميشيل كيلو؟ هذه مسألة اخرى والايام القادمة وحدها يمكن أن تؤكد وزن هذه الوصية بين السوريين بمختلف انتماءاتهم وماذا يمكن ان تكون منعرجا جديدا لايقاف العبث الحاصل وانهاء الخراب والدمار الذي لحق بسوريا طوال العقد الماضي وتسبب في فقدان نحو نصف مليون سوري دون اعتبار للاجئين والمشردين.

بعيدا عن اللاذقية مسقط رأسه ومنشئه وبعيدا عن ارض سوريا التي تركها بعد ان ضاقت من حوله السبل توفي ميشيل كيلو هذا الاسبوع في باريس بعد ثلاثة اسابيع من تلقيه الجرعة الاولى لتلقيح كورونا ليعيد الى السطح اكثر من نقطة استفهام حول المشهد السوري الراهن وتداعيات عشر سنوات من الحروب والخراب والدمار الذي نسف هذا البلد وجعله ساحة مفتوحة لحروب بالوكالة تقودها قوى اقليمية ودولية متنفذة جعلت من سوريا مرتعا لها وللميليشيات المسلحة التي اخترقتها.

لم تغب فلسطين عن وصيته وقد دعا ميشيل كيلوان تظل قضية فلسطين اولوية باعتبارها جزءا من القضايا الأساسية، ففلسطين قضية حرية وكرامة وعدالة، وقضية الشعب السوري، أيضا، كذلك، وتلك القيم السامية لا تتجزأ. كفاحنا مع شعب فلسطين جزء من كفاحنا ضد الاستبداد، وبالعكس. كما دعا الى ان تبقى قضية استعادة الجولان في مقدّمة الاجندة الوطنية.